اقتصاد الدم.. كيف دمرت شركة شل نيجيريا؟

من باب أن الجريح يحتاج إلى من يداويه، تقوم البلدان النامية التي تعاني من جروح اقتصادية مثل البطالة الحادة والديون الثقيلة وعدم وجود عملات أجنبية احتياطية في الاقتصاد بمد يدها للشركات العملاقة عابرة القومية، تقدم هذه الشركات المساعدة للدولة النامية وتقدم لها حلولاً سحرية، فتأتيها بالأموال والثروة والمهارات لتجني المزيد من العملات الأجنبية وتوفر بعض فرص العمل، ظاهرياً تسير الأمور على ما يرام، ويبدو أن البلدان النامية تنتفع من الشركات عابرة القومية وترجح كفة الفائدة للبلد، ولكن المؤسف أن حكومات البلدان النامية حينها، وتحت ضغط مشاكلها وحاجاتها الاقتصادية الملحة، لا تفكر ولا ترى المشاكل الأكثر عمقاً والتي تترتب على دخول هذه الشركات إلى البلد! 

إن ما يحدث عندما تدخل هذه الشركات للبلد النامي (بنية استغلال موارد البلد طبعاً) هو أن المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي تقوم بإقناع الحكومة بأنه يجب أن تفتح أسواقها لهذه الشركات، وتبدأ بسرد حكاية العولمة عليها، وأنها يجب أن تجذب الشركات عابرة القومية كي تجعل الاقتصاد أقوى ومن أجل منفعتها. وبعدها، يصبح أمر التحكم والسيطرة على هذه الشركات صعباً، أو ربما (رخواً وغائباً) بمساعدة الحكومة! لأن الشركات عابرة القومية عملاقة وقوية، ولديها معارف وخبرات كبيرة في إنتاج السلع والخدمات، وفي العادة تكون هذه الشركات قادرة على تضليل الوزراء والمسؤولين وصناع القرار، بل يصل الأمر إلى أن تدافع هذه الحكومات عن الشركات التي تستغل بلادها، ومواطنيها! 

نتيجة دخول شركة شل إلى نيجيريا أن تجد أطفالاً وشباباً مدقعين في الفقر، عاطلون عن العمل ولا يجدون قوت يومهم، مصابون بأمراض تنفسية خطيرة ولا زالوا يستنشقون الغازات والأبخرة السامة من المستنقعات التي لوثتها الشركة البريطانية الهولندية العملاقة!

وبدلاً من أن تقوم المؤسسات الدولية المعروفة ووكالات الإعانة العالمية بمساعدة الفقراء، أصبحت ضداً لهم بسياساتها، وبناءًا على مصالحها وقفت في وجه الفقراء لصالح الأغنياء والشركات العملاقة الغنية التي يملكها نخبة بسيطة وجهات معروفة محددة! ففي نيجيريا على سبيل المثال، دخلت الشركة العملاقة شل والتي تعتبر من أكبر الشركات النفطية في العالم هذا البلد واستغلت مواردها أيما استغلال، يقول جون ميدلي في كتابه نهب الفقراء: "تقدر عوائد نيجيريا من النفط، منذ اكتشافه بالبلاد في أواخر الخمسينات بمبلغ 400 مليار دولار أمريكي، ولم يستفد معظم النيجيريين من استخراج النفط، ووقع كثير منهم في فقر أشد"!

وتعتبر نيجيريا أكبر منتج في أفريقيا وخامس أكبر مصدر في العالم. وأصبح تكرير النفط في البلد يمثل جزءًا مهماً من أرباح الشركات العابرة القومية، وخاصة التابعة لشل. وكانت الشركة قد بدأت العمل في دلتا النيجر في 1958 وتعتبر الدلتا، بما تضمه من غابات مطيرة، وأشجار المانجروف واحتياطيات النفط، أحد أضعف الأنظمة البيئية في العالم. لكن ما يهم شل هو وفرة احتياطيات النفط في إقليم أوجوني في الدلتا. وتعاني منطقة الدلتا من الاضطرابات منذ حوالي نصف قرن، ولا يرى السكان المحليون سوى القليل من أرباح النفط، التي أدت إلى أضرار بيئية واضحة، ومنذ بداية التشغيل، عاثت شل فساداً في المجتمعات المحلية والبيئة. منذ ذلك الوقت وحتى الآن تعاني نيجيريا من التلوث النفطي، وقد أعرب الزعيم التقليدي في نيجيريا، دانديسون نواوالا، في أحد التقارير عن أسفه حول الأوضاع البيئية والأضرار الإنسانية قائلاً "ندفن كل أسبوع خمسة أشخاص على الأقل مصابين بالسرطان أو بأمراض تنفسية".
 

كما أوضح ليفينوس كيبيل رئيس زعماء المجموعات في منطقة بودو في نفس التقرير حول المشكلة "نشعر أننا عاجزون. فقد تعرضت البيئة للتدمير التام". ويتحدث أحد السكان النيجيريين والذي يدعى (اغناطيوس فيغا) والذي يبلغ 41 عاماً حول ذكريات طفولته عندما كان يذهب للصيد في مياه دلتا نهر النيجر ويقول "كنت استيقظ في الخامسة صباحا وأذهب مع أبي قبل ان أتوجه إلى المدرسة. كنا نأتي بسلال مليئة بالأسماك".

إن النتيجة الواضحة لدخول شركة شل إلى نيجيريا الآن هو أن تجد أطفالاً وشباباً مدقعين في الفقر، عاطلون عن العمل ولا يجدون قوت يومهم، مصابون بأمراض تنفسية خطيرة ولا زالوا يستنشقون الغازات والأبخرة السامة من المستنقعات التي لوثتها الشركة البريطانية الهولندية العملاقة!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة