الشخصية "الغامضة".. هل نحن أمام مرض نفسي؟

فرق كبير بين أن يخفي الشخص بعض الأسرار عن الآخرين وحتى عن المقربين وبين أن يحاول أن يضفي على حياته غموضًا مصطنعًا متكلفًا باردًا بقصد الشهرة أو تحقيق بعض المكاسب النفسية. إن الغموض البارد تقنية يمارسها غالب ساسة العالم من الدول التعيسة المتخلفة وحتى الدول الكبرى أو ما يطلق عليها لقب العظمى استكمال لمتطلبات المناصب في زعمهم فشركات إدارة الشهرة وتلميع الشخصيات تحظى بسوق رائجة في هذا العصر الذي طغى عليه الوضوح والصراحة والكشف بل وهتك الأسرار والتعدي على الخصوصيات بل والفضيحة في كثير من الأحيان.

إن محاولة الشخص العادي منا أن يحمي نفسه ومعلوماته وخصوصياته من أن تكون مشاعًا للناس مسألة صعبة في عصر الهواتف الذكية فأصبحت الحاجة للغموض بأنواعه ملحة وحيوية للغاية إن بعض الأنماط البشرية قليلة الكلام ضعيفة التواصل البشري تعيش غالب حياتها مع الأفكار والإبداع والإنجاز دون الحاجة لكثرة التواصل المؤدي إلى كشف ما في حياته للآخرين انشغل بنفسه فانشغل الناس عنه.

الأشخاص الطبيعية مهما بلغت من الشهرة والسلطة والمال والنفوذ لا تحتاج لهذا النوع من الغموض ولا للهيبة المصطنعة أو المكانة الزائفة فهم كما هم لا تغيرهم الأيام ولا الليالي ثبات في المبادئ والمواقف والأقوال والأفعال

ويعتقد بعض البشر أن الغموض وإخفاء المشاعر الحقيقية والمواقف الواضحة يضفي حالة من الهيبة والإجلال في قلوب الآخرين سواء أكانوا من المقربين أو غيرهم فيحاول وبشتى الطرق أن يخفي معظم أحواله بل يلمح غالبًا بعكسها محاولة منه لابتزاز الناس وإغراقهم بالحيرة المتعمدة ليصبح حديثهم في مجالسهم حتى لو بالنقد والاعتراض فهو في حالة نشوة مرضية وشعور اضطرابي يدل على عدم الاتزان وانتفاء الوعي بالنفس وبالآخرين حتى أنه يأتي في بعض الأحوال بسلوكيات غاية في العجب والدهشة بحيث لا يصدق الناس أنها تصدر من شخص عاقل أو متزن فلا تجد له جوابًا واضحًا على سؤال واضح بسيط فيلف ويدور ويحاور ويناور لا لجهله ولا ضعف معرفته بل ليحير السامع ولو كان زوجته أو المقربين منه.

إن الغموض المتكلف علامة اضطرابية تنشأ عن خلل نفسي عميق قد يكون ممتدًا منذ الطفولة كما صرح بعضهم أن الأطفال كانوا يضربونه فتوعدهم أنه حين يكبر سيكيل لهم الصاع صاعين فلما كبر تسلط على الضعفاء ومن لا حول لهم ولا قوة. هي محاولة تعويضية في دائرة العنف النفسي الذي تكون لديه منذ الطفولة بحيث يتحول من ضحية إلى جلاد في نفس الدائرة التي مورست عليه، ولكن كيف يمكن له أن يتحول إلى بطل إلا عن طريق إضفاء هالة من الغموض المغلف بالابتزاز النفسي لعموم الناس أو لأفراد دائرته المقربة.

هي الحالة العامة المسيطرة على بعض إن لم يكن غالب المتصدرين على ساحة السياسة والإعلام والرياضة في هذه الآونة فكثرة الإشاعات والتاريخ المصطنع والبطولات الزائفة التي من شأنها أن ترفع الوضيع وتعلي شأن الحقير حتى تدفع الملايين لشركات إدارة السمعة من أموال الشعوب المطحونة لتلميع الصور البالية وطمس معالم الحقيقة وإخفاء العيوب النفسية والبقع المظلمة بل السوداء القاتمة في حياة هؤلاء. والأسوأ محاولة بعضهم دفع ملايين مشابهة لإسقاط الشريف وتلطيخ سمعة النظيف لمجرد أنه تجرأ على منازلتهم أو حتى التسابق معهم لنيل شرف خدمة الناس أو حتى أحبه الناس وقربوه لتواضعه وطهارة ذات يده، لماذا أحبك الناس دوننا؟ ولماذا قدموك علينا؟ إذا محاسني اللاتي أدل بِها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر.

إن الأشخاص الطبيعية مهما بلغت من الشهرة والسلطة والمال والنفوذ لا تحتاج لهذا النوع من الغموض ولا للهيبة المصطنعة أو المكانة الزائفة فهم كما هم لا تغيرهم الأيام ولا الليالي ثبات في المبادئ والمواقف والأقوال والأفعال وفي الانفعال كذلك.

هنا لا يصبح الكلام عن الغموض الطبعي الجبلي مسألة عسيرة أو تحتاج لمزيد شرح وبيان فهو الشخص المتحفظ قليل الاختلاط الذي يجد في الخلوة ما لا يجده في الخلطة ويأنس بالوحدة ويتوحش من كثرة الرفقة فكل من حوله لا يعرفون إلا القليل عنه وهو لا يحتاج ليعلن عن نفسه بأي طريقة كانت فلا هدف له من التسلط عليهم ولا بالتحكم فيهم ولا في نيل بعض المصالح من ورائهم هو هكذا وسيظل كذلك.

شكرًا ومن القلب لكل وسائل التواصل الاجتماعي وللهواتف الذكية ومخترعيها فقد آذيتم قلة من الشرفاء لكنكم رفعتم ثوب الغموض المتكلف عن شريحة مفسدة منذ عقود على المجتمعات العربية والإسلامية بل والعالمية.. شكرًا لكل من نقل معلومة مفيدة ونافعة تثبت منها ومن مصدرها عن شريحة أو مجموعة طغا فسادها وعم شرها وقل نفعها وانعدم خيرها حيث تؤذي البلاد والعباد وتوهم الناس بالإصلاح والله يعلم المفسد من المصلح وهو سبحانه لا يصلح عمل المفسدين.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة