أنت لست رقماً ولا بضاعة!

blogs مواقع التواصل، هاتف ، لابتوب

هذا الفيديو رائع يستحق الإعجاب، تلك الصورة غريبة لابد من تعليق، يا إلهي عشرون إشعاراً في أقل من ساعة! لنرى ما هنالك؛ دعوة للإعجاب بصفحة، اسمها غريب، كلماتها رقيقة تلمس القلوب، تستحق المتابعة، الإشعار التالي، إحداهنّ تذكر اسمي في تعليق، تود الفوز بمسابقة أكثر متفاعل على الصفحة، لن أكسفها بالرغم من أني لا أعرفها، ثمة أحدهم يدعوني لمشاهدة حفلٍ ما، يا للظرافة، أحببت ذلك! التالي، عيد ميلاد زهور الحب، لقد أتمّت الثلاثون من عمرها، يا إلهي لقد كَبُرَتْ، منذ زمن لم أسمع أخبارها، لابد أنها أنجبت أطفالاً، اشتقتُ لشقاوتها، سأتصفح حسابها؛ لعلها تنشر صوراً لأطفالها، آآآه يا ألهي هذه الصورة رائعةٌ حقاً، أحببتها، هي وزوجها والطفلين يحلّقان في الهواء عالياً، آه هذه أختها سمر تصغرها بخمس سنوات، تبارك لها بالخطوبة، لا بد من مباركة بتعليق، هل نشرت على حسابها صور خطيبها؟ لنرى..

يا إلهي لم أشعر بالوقت، الساعة الحادية عشر ليلاً، عليّ أن أصحو باكراً غداً، سأخلد للنوم. أوووه تباً الساعة الثانية عشر صباحاً وانا لازلت أتقلب في الفراش، خيراً لي أن اتفقد هاتفي بدلاً من ضياع الوقت حتى أغفو. حال ذاك المأسور لهذه المواقع، كحال الكثير منا ولكناّ لا نشعر! قد يبدو الأمر مثيراً ومسليّاً، أن تستطيع أن ترى العالم عبر شاشة صغيرة، تقلبها بطرف بنانك كما شئت، تكلّم هذا وتنتقد ذاك، تعلّق هنا وتشارك هناك دونما أي جهدٍ أو تعبٍ يذكر!

دعني أخبرك اليوم ما هو مثير أكثر من ذلك، انت بذلك تقتل دماغك وتستمتع بنثر وقتك كما الغبار في الرياح العاتية! وقت فراغك الذي لا تفعل به شيئاً على الاطلاق خيرٌ من الوقت الذي تقضيه على مواقع التواصل بشكل متواصل! تستغل كل لحظة فراغ في وقتك وتشغلها بتصفح الفيسبوك، تويتر، وانستغرام، ولا تنسى آسك، صراحة وتيك توك! إن لم تجد ما يسلّي بتلك فلابد أن تلك ستفي بالغرض ويضيع عمرك ما بين هذه وتلك! النفس ميّالة للهوى والعقل ميّال للراحة إن لم تحفّزه باستمرار، ألم تلحظ أنه لم يعد يتكلّف القراءة حتى النهاية أو يأخذ بعض الوقت ليفكر بما يستحق التفكير أثناء التصفح، تستهويه الصور والفيديوهات، فهو لا يبذل مجهوداً يذكر بتحليلها، هذا كل ما يريد وهذا ما عوّدته عليه أنت!

لا تدع أحدا يسلب منك عمرك وأنت في غفلةٍ ساهٍ. أنت لست رقماً ولا بضاعة، أنت إنسان بعقل وعزمٍ وإرادة، أنت خليفة الله في أرضه ووقتك ثمين، ثمينٌ جداً

الجسد في استرخاء والنفس في استمتاع والعقل في سبات، ليس لهذا خلقتّ! حتى ذلك الوقت الذي تقضيه بالانتظار في بنك، مطعم، أو حتى تكسي أو سرفيس، لا تضيّعه بتصفح تلك المواقع التي لا تنضب مستجداتها ولا تنتهي، تمعّن واصفن في حياتك علّك تحدد هدفك فيها، أو تحدد خطوتك الأولى نحوه إن كنت قد حددته بالفعل، أو علّك تتعرّف صديقاً يكن لك خير صديق، أو تلتقي عينيك بعيني حبيب يكن لك في العمر شريك، اصفن لعلك تساعد طفلاً تدحرجت قطعة النقود من بين يديه يداعبها حتى وصلت قدميك، اصفن لعلك تساعد كهلاً أحَنت قامته مصائب الدهر وهموم الزمان، اصفن حتى في جدار الفناء، علّه يوحي لك بشيء ما على الأقل أن يضعف ذلك بصرك يرهق عنقك! اصفن لعلّك تجد حلّاً لعبوسك وقلة صبرك على ولدك، أمك، أبيك، وكل من حولك!

اصفن لعلّ بسمة طفل ولمعة الفرح بعينيه توقظ شعوراً خبا منذ زمن بين جنبات قلبك، ينعش روحك! في المنزل، هناك الكثير لتفعله؛ ارقص مع أصغر أخواتك، داعب يدي أختك الرضيعة، راقب سنونها وداعب خدودها، أسعِد قلب أمك وساعدها في المطبخ، تبارى وأختك أيكما الأسرع في لف ورق العنب، اغسلي سيارة أبيك، سرّحي شعر أخيك، ازرعي النوافير برأس أختك الصغيرة، العبي كرة القدم مع ابن أخيك، لا تدعيهم يلعبون القُلّ وحدهم!

في كل مكان وكل زمان ثمة أشياء كثيرة لنفعلها ونملأ بها أوقات فراغنا، بل وندخل السرور على قلوب أحبابنا، ونغدو دوماً أكثر مرحاً وفرحاً! ليس الأمر بالهيّن الليّن ولا بالشاق العصيب أن تبتعد عن تلك الملهّيات عن الحياة إنما هو السهل الممتنع! فاستعد! إن اقتنعت تماما بأنك لست إلا رقماً بالنسبة إلى تلك المواقع وإنها تسرق من عمرك أجمله وأثمنه فستكون قد قطعتَ نصف الطريق، النصف الآخر، أن تدرك بأنها لديك عادة، ولتغيّر تلك العادة عليك أن تبدِلَها بأخرى، أن تجد دوماً بديلاً عنها، والبديل كما ذكرنا كثير ليس قليل!

لا تفكر بتعطيل كل حساباتك وتركها إلى الأبد، لأنك ستعود إليها بشوق كبير ولن تفكر مرّة أخرى بتركها، ما تود الوصول إليه أن تصبح هذه المواقع بالنسبة لك شيءٌ عادي جداً، إن غابت لم تذكرها وإن حضرت لم تنسِك شأن غيرها! أولى ما يجب عليك فعله هو إيقاف الإشعارات لها كلها، تجدها في الإعدادات للتطبيقات، لأنك لا تريد أن تتفقدها عند كل إشعار، تتفقدها فقط عندما تقرر انت ذلك ولمرة واحدة في اليوم لا تزيد عن ربع الساعة لكافة تلك الملهيات، ثانياً عليك بتغيير أماكنها وتشتياها هنا وهناك، دع كل واحدة في زاوية وكل زاوية في نافذة، ولا تحاول أبداً حفظ أماكنها، هذا سيساعدك كثيراً، لأن عقلك اعتاد على رؤيتها في مكان بعينه واعتاد على فتحها كلما رأيتها حتى لو لم تكن تنوِ فعلاً فتحها! بهذا انت ستتصفح عدة نوافذ في هاتفك في كل مرة حتى تفتح أخيراً ما تريد، نتيجة هذا ستدهشك، جرّب وأخبرني. بينما تبحث عنه، فكّر خلال تلك الثواني "لماذا عليّ أن أتصفحه الآن"، إن وجدتَ جواباً فعليك به وإن لم تجد فوفّر شحن هاتفك واشحن طاقتك الذهنية والبدنية بما يفيد!

بعد إغلاقك له فكر "ماذا لو لم أفتحه، هل سأكون قد خسرتُ شيئاً؟ أم أني الآن قد خسرت الكثير!" فكر! أخيراً سجّل خروجك من هذه المواقع، يمكنك تطبيق هذه الخطوة بعد عدة أيام من تطبيق ما سبق، ستشعر بالتكاسل من كتابة كلمة السر في كل مرة تفكر بها تصفح هذه المواقع، لم يعد الأمر مسليّاً كالسابق، هذا كل ما يجب أن يحدث! سيأخذ منك مجهوداً إضافياً لم تعتده من قبل. أنت مأسور بشكل أو بآخر لهذه المواقع، هناك خبراء يعملون ليل نهار، يجدّون ويجتهدون كي تقضي وقتك بين إعجاب، تعليق، وتصفيق! ربما معرفتك وقناعتك بهذا وحدها كفيلة بسعيك بشكل جديّ لتتخلص من ذاك الأسر! لا تدع أحدا يسلب منك عمرك وأنت في غفلةٍ ساهٍ. أنت لست رقماً ولا بضاعة، أنت إنسان بعقل وعزمٍ وإرادة، أنت خليفة الله في أرضه ووقتك ثمين، ثمينٌ جداً فلا تفرّط.