أخطر من إصابتك بالسرطان.. أنت تعيش في الشمال السوري!

blogs سرطان

مُنى شابة في الثلاثينيات من عمرها من غوطة دمشق متزوجة وعندها أطفال صغار ذاقت مرارة النزوح من بلدة إلى أخرى حتى استقر بها الحال في إحدى قرى شمال سوريا. شعرت بالإعياء راجعت إحدى المراكز الطبية المحلية محدودة الإمكانيات. منى شُخصت بالسرطان.. أُغلقت نوافذ الأمل في وجها وصفدت معاني الحياة بين عينيها.. أطفالي، زوجي، أهلي، أنا.. 

ماذا أفعل وأنا هنا يا ربي، بعيدة عن كل شيء، مسلوبةٌ من كل شيء، محرومةً من أي شيء، هل حان وقت رحيلي وأزفت آزفتي. إلى خارج الحدود أخرج أم ضمن حدودها أحاصر نفسي. إنما أشكو بثي وحزني إلى الله.. لا يختلف حال مُنى عن حال المئات من النساء المصابات بمرض سرطان الثدي اللاتي يقطن في شمال سوريا، وحال الآلاف من الأشخاص المصابين بأنواع مختلفة من الأورام والذين يتم تشخيصهم كل عام. إمكانيتهم محدودة، خياراتهم قليلة، مواردهم شحيحة.

المريض يكافح داؤه بالأمل بالشفاء يسبق سعيه في الاستشفاء، فلولا الأمل لما تحركت الجوارح لنداء الوجدان في حفظ الذات من الزهق أو الجسد من الألم

عندما نتكلم عن شمال سوريا فإننا نقصد تلك المنطقة الواسعة من محافظة إدلب وأرياف حلب وحماه والتي ذاق أهلها مرارة الحرب على مدى سبع سنوات عجاف نتكلم عن ذات المنطقة التي نزح إليها مئات الألاف من السوريين من مختلف مناطق سوريا بعد أن هُجّروا من مدنهم وقُراهم واستقروا في الشمال، وعندما نتكلم عن شمال سوريا فهي تلك المنطقة الواسعة من الأرض التي أصبح تعداد قاطنيها أكثر من أربع ملايين نسمة تعتمد بشكل ذاتي منذ عام ٢٠١٢ على إدارة مرافقها المدنية من صحة وتعليم وخدمات وغيرها من خلال مجالس محلية ومنظومات شعبوية. عندما نتكلم عن تلك البقعة من الأرض فهي بقعة الخير والتاريخ والجغرافية والأمجاد ومهد الرسالات والأديان. 

تحملت الدولة التركية العائق الأكبر في تحمل مرضى السرطانات اللاجئين من شمال سوريا فأعانت العديد منهم وقدمت العلاج المجاني للآلاف في السنوات القليلة الماضية. تشير الإحصائيات في عام ٢٠١٨ بدخول وعلاج حوالي ١٨٠٠ مريض في تركيا بي ذلك العام ممن تم تشخيصهم بأورام مختلفة. تبقى الحاجة كبيرة وعوائق السفر والغربة واللجوء ملموسة. إلا ما ندر وقل، لا بالسهل على المنظمات الإغاثية الطبية تحمل وتدبير هذا النوع من الخدمة الطبية والعلاجية لكثرة صعوباتها وعوائق تكاليفها وتحصيل أدويتها. 

مع تضافر الجهود وسعي المختصين بدأت بعض المشاريع الصغيرة لإعانة هؤلاء المرضى وجدت مُنى ضالتها عندما راجعت مركز جديد لعلاج أورام سرطان الثدي في المنطقة التي تسكن فيها ووجدت أطباء مختصين يبذلون من علمهم ووقتهم لفك معاناتها وعلاج مرضها. تبقى إمكانياتهم محدودة وقدراتهم قليلة.

المريض يكافح داؤه بالأمل بالشفاء يسبق سعيه في الاستشفاء، فلولا الأمل لما تحركت الجوارح لنداء الوجدان في حفظ الذات من الزهق أو الجسد من الألم. وكلما عظم الداء، عظمت معه استحقاقات مادية لابد من توفرها لتمهد للأمل طريقا لقلب صاحب البلاء. فالأمل والسعي في بذل الأسباب هما توأمان في مكابدة مصاعب الحياة. ما بال من ابتلي بعضال الداء كالسرطان، فلا بد للعقل أن تسعفه استحقاقات التداوي من تحاليل وفحوصات نسيجية وشعاعية أو نووية وما يتبع من عمليات جراحية معقدة وأدوية كيماوية أو بيولوجية أو هرمونية باهظة الأثمان لتنزل في مكان الداء موقعا يسعف الجسد ويلبي حاجة الروح تغذيها أن تعيش على أمل نجاعة العلاج علها تصل إلى ضفة العافية التامة التي كم وكم من الناجين تحدثوا عن حظوظهم في بلوغها. 

هل يا ترى يحلم أهل الشمال أن تسمح لهم مخيلتهم المرهقة والمثقلة بهموم تأمين بدهيات العيش أن يتنعموا بأيدي ملائكة الرحمة تحنو عليهم ترتب عل الكتف المتألمة وتهمس في الأذن تطمئن مريضهم بأن لا تحزن فالعلاج قريب والدواء متاح، إذا كانت هذه الأرض المباركة بإيمان أهلها وصبرهم، فلن يعيبهم قصور آمالهم، بل يعيب من لم يحاصر حصارهم أن لم يبذل لهم أسبابا تروي شجرة الأمل في قلوبهم الجريحة والصابرة.