لماذا توقفت ثورة 1952 في طريق التنمية الحقيقة؟

كان من الممكن لعصر الرئيس جمال عبد الناصر أن يحقق تنمية حقيقة في مصر بدلا من أن يقف عند ما حققه من اندفاعة تنموية توقفت منذ منتصف الستينيات أي قبل سنتين من حرب 1967 وإن كان أثر توقفها لم يبدأ في الظهور بشكل صارخ إلا في 1967 ثم فيما بعد هذا بسنوات ممتدة وحتى يومنا هذا.. ما السبب الذي جعل الاندفاعة التنموية التي بدأها الرئيس جمال عبد الناصر تتوقف؟

 

من الطبيعي أن نجد مجموعة من الإجابات التي تبرز الخطورة التي لعبتها عدة عوامل حقيقة من قبيل استنفاد عوائد المارد التي أممت أو صودرت أو نهبت، وزيادة النفقات غير الجوهرية، وضعف كفاءة التشغيل، وانتشار الفساد الكامن والخفي، وسلبيات المحسوبية، واضطراب التمويل بسبب حرب اليمن منذ 1962 وهو الاضطراب بلغ مداه في 1965 وكان كافيا لسقوط النظام لولا جرعات الإنقاذ من السوفييت، لكن الدارس للموقف التنموي يستطيع أن يدرك أن هناك سببا آخر أعمق وأبلغ تأثيرا سبق هذا كله وفاق تأثيره كل السلبيات والكوارث، وهو أن الرئيس جمال عبد الناصر كان مصابا بداء التوقف المفاجئ ثم النكوص مباشرة عما كان ماضيا فيه وهو مرض نعاني منه، نحن المصريين، كثيرا .

 

وسأبدأ بأمثلة من آثار التوقف المفاجئ على تعطيل الاستثمار الجيد لكل النجاحات الظاهرة التي حققها زملاء الرئيس جمال عبد الناصر حتى من الوزراء العسكريين أنفسهم في كثير من المسارات وكان أوقفها هو الرئيس جمال عبد الناصر نفسه وبدون سوء نية، كما قد يسارع البعض إلى الظن، لكنه كان مصابا بهذا الداء حتى من دون أن يكون مصحوبا بسوء النية. أبدأ بما أنجزه كمال الدين حسين في قطاع المعارف (أو التربية والتعليم، بعد أن تغير الاسم)، وأنا أقصد هذا الاسم الأوسع لأن التعليم العالي لم ينفصل عن التربية والتعليم إلا في 1961 أي أنه كان في نطاق كمال الدين حسين حتى ترك كمال الدين حسين المسئولية الوزارية بعد أن رأس المجلس التنفيذي للإقليم المصري. كان كمال الدين حسين (مهما كانت التحفظات التقليدية المشهورة عليه) رجلا حماسيا متحمسا منجزا قادرا على المتابعة والإنجاز والإضافة، وكان يستعين بأفضل العقليات التربوية وكان مقبولا من التربويين والأكاديميين إلى حد كبير، وكان قادرا على أن يستحوذ على منصب نقيب المعلمين بالإضافة إلى الوزارة، وكان قد أصبح أيضا رئيسا للمجلس التنفيذي فزاد هذا من قدرته على الإنجاز في حقول التربية والتعليم.

 

أصبح الإسكان مجرد قطاع تسيير لأمور هندسية وتقليدية دون أن يشهد أي ثورة أو حماس حتى كانت حرب أكتوبر وبدأ السادات سياسته الناجحة في التعمير

وحين كان كمال الدين حسين وزيرا مركزيا للتربية والتعليم فإنه رشح للعمل وزيرا تنفيذيا للتربية والتعليم في الإقليم المصري رجلا كان قد بلغ الغاية في السمو والرقي والنجاح وحب المعلمين بل والفنانين له بل إنه بلغ منزلة السياسي المثالي الأستاذ أحمد نجيب هاشم. لكننا نُفاجأ بأن الرئيس جمال عبد الناصر لجأ إلى نظام جديد يخرج به زملاءه من المناصب الوزارية ويستودعهم فيما سمي بمجلس الرئاسة، وقد يكون هذا مقبولا في مرحلة ما لكنه لم يكن يقتضي ما حدث للأسف من أن ينقطع هؤلاء (وللأبد) عن الميادين التي كانوا قد حققوا النجاح فيها وأصبحوا رموزا لعصر الرئيس جمال عبد الناصر وللرئيس جمال عبد الناصر نفسه ولزمالة الرئيس جمال عبد الناصر ولمجد الرئيس عبد الناصر.. وهكذا توقف كمال الدين حسين عن العطاء وهو في الأربعين.

 

دعنا نفكر تفكيرا علميا ولنفترض أن كمال الدين حسين توقف لسبب قاهر كالموت أفلم يكن الأولى بأن يخلفه ذلك الوزير تزامل معه كوزير تنفيذي وحقق نجاحا بارزا وساحقا وسامقا أيضا (وهو أحمد نجيب هاشم) قدره الرئيس جمال عبد الناصر نفسه بأن عينه سفيرا؟ لكن انظر إلى الكارثة التي حدثت وهي أن نظام الرئيس جمال عبد الناصر جاء بالأستاذ السيد يوسف (عديل الرئيس جمال عبد الناصر نفسه) المولود في 1898 ليخلف كمال الدين حسين المولود في 1921) وليكون بمثابة منبع لكراهية المعلمين للرئيس جمال عبد الناصر ثم يستمر السيد يوسف وزيرا من 1961 حتى 1967 نموذجا للبيروقراطي العقيم يرفض كل طلب، ويسارع بقول لا، حتى كان هو أول شخص بارز صوره التربويون واللغويون بأنه إذا أراد أن يوافق كتب "لا " أولا ثم يضيف كلمة "مانع" لتصبح لا مانع التي تعني الموافقة.

 

ضاع كل حماس الثورة وكل حماس الرئيس جمال عبد الناصر وكل حماس كمال الدين حسين وظل الوضع الثوري الحماسي في التربية والتعليم يتدهور من 1961 وحتى 1967 فاضطر الرئيس جمال عبد الناصر بعد الهزيمة أن يستدعي وزير التعليم العالي السابق الدكتور عبد العزيز السيد ليكون وزيرا للتربية والتعليم دون جدوى ومن ثم فإنه اضطر إلى أن يسند التربية والتعليم إلى أنبه وأول الوزراء الجامعيين الذين أدخلهم وزاراتهم في مارس 1968 وهو الدكتور محمد حلمي مراد حتى إذا ما استعاد الدكتور محمد حلمي مراد وهج الحماس إذا به يقع في الخلاف السياسي مع الرئيس جمال عبد الناصر يقيله لفوره، وتعود التربية والتعليم فيما تبقى من عهد الرئيس جمال عبد الناصر لتكون بمثابة وزارة يديرها أستاذ قانون متعقل فحسب وهو الدكتور محمد حافظ غانم. وهكذا انحصرت التغيرات التنموية التربوية أو كادت تنحصر في شذرات محدودة بدأت مع إسماعيل القباني ولمع بعض أثرها في عهد كمال الدين حسين ثم حاول الدكتور محمد حلمي مراد أن يستعيد الروح فعاجلته الإقالة.

 

قل مثل هذا حدث في التربية والتعليم عما حدث القطاع الأهم من القطاعات التي تولاها عبد اللطيف البغدادي وهو قطاع البلديات (ما سمي بوزارة الشئون البلدية والقروية) فقد أصابه على يد الرئيس جمال عبد الناصر تدهور حاد بدأ بالفصل غير المبرر بين مفهومي الإدارة المحلية التي أخذ به الرئيس جمال عبد الناصر نقلا عن تجارب شرقية ومفهوم الإسكان والمرافق. وهكذا عاث الفساد في المحليات والإسكان على نحو مؤسسي منذ بدأ تأسيس هاتين الوزارتين اللتين حلتا بطريقة سيئة أو بطريقة أقل من طريقة عمل البلديات التي كان لمصر منذ بداية القرن العشرين تراث عريق فيها بدءا من بلدية الإسكندرية، التي وصف بيرم التونسي سطوة مجلسها البلدي وقوته التنفيذية بقصيدته الشهيرة التي كانت تباع منفردة.

 

لكن هذا التراث ذهب كله مع الريح. وابتعد البغدادي (أو أبعد) تماما عن هذا المجال بكل ما كان يمثله من مجد للرئيس جمال عبد الناصر ولحماسه، وأصبح الإسكان مجرد قطاع تسيير لأمور هندسية وتقليدية دون أن يشهد أي ثورة أو حماس حتى كانت حرب أكتوبر وبدأ السادات سياسته الناجحة في التعمير من ناحية (منذ 1973) وفي المدن الحديثة والمجتمعات العمرانية الجديدة بعدها بثلاث سنوات.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة