في ظل حرب الشعارات.. إلى أين يتجه السودان؟

وفي غفلة من الزمن تضطر الحقيقة أن تقف لترى مآلات المشهد ويتفرج القوم على البغاث والدهشة هي سيدة الموقف. ولا شك في أن اليساريين والعلمانيين وبقايا الشيوعيون قد استطاعوا وبدون إنكار للواقع أن يتحكموا بمنصات التواصل الاجتماعي في السودان في ظل الوضع الراهن الذي نحياه الآن وهذا التحكم الذي يتنافى مع ما يدعون له من شعارات الحرية والسلام والعدالة والذي أساسه الصدق في تناول الأخبار ونقل الحقائق المجردة دون رتوش يصطنعونها وكأني استحضر مقولة حكيم السودان الشيخ فرح ود تكتوك حين قال "الصدق كان نجاك الكذب ما بنجيك" ومن سخرية القدر أن ما أتجه له هؤلاء في التضخيم والتهويل كان الغرض منه استجداء واستعطاف الخارج في التدخل لتغيير مسار الحياة السياسية في السودان لتعود تلك الدعوة وبالاً عليهم بعد أن أيقنوا أن ذلك بعيد المنال.

وكل ذلك لا ينفي أن الوضع مربك جداً وأن كل الاحتمالات واردة في ظل تعنت الأطراف وعدم رغبة البعض في الجلوس لطاولة الحوار للخروج من المأزق الحالي ولعل القرارات الأخيرة التي جاءت في ثنايا خطاب الرئيس من تشكيل جديد للحكومة بطابع عسكري يتم عبرها تشكيل حكومة كفاءات وطنية لهو الدواء الناجع لما تعانيه البلاد.

أكبر الأخطاء التي وقع فيها حزب المؤتمر الوطني والتي يدفع ثمنها الآن هو استقطابه للعديد من الأشخاص والكيانات التي لا تحمل بداخلها أيٌ توجه سوي التكسب من السلطة التي يتحكم بها

وبين هذا وذاك فإن الإسلاميين يتفرجون وفي صمتهم حكمة ومراقبة بدقة لما يحدث خاصة إذا نظرنا للأساليب القذرة في تشويههم وتجريمهم بحيث لا يدري دعاة التشويه ذلك بأن الإسلاميين هم السواد الأعظم في السودان وذلك بعدم الخلط بما هو حزبي وما هو منهجي وفكري وفي رصيدهم الكثير من التجارب التي تعينهم في الخروج من الأزمات المتلاحقة التي مرت وتمر بهم عبر السنين والحقب. وذلك يقيناً بأن ظاهر الاختلاف يبطنه اتفاقاً متناهي فكرياً وعقدياً ومنهجياً سيتم استدعاؤه إذا دعت الضرورة إيماناً بأن المصير والمآل واحد وأن الخصم مشترك.

ومنطق الذين يخافون على الوطن من دعوة المجهول الذي يخفي تحت عباءته ما فضحته شعاراته تلك الدعوات الاقصائية التي خصمت الكثير من رصيد الاحتجاجات قوياً إذا ما أُضيف إليه عدم استعداد المنطقة برمتها لتجربة تفضي إلى ما آلت إليه الأوضاع في بلدان الربيع العربي والتي تعيش حالة من شبه الفوضى وغياب الأمن وغموض في المستقبل ناهيك عن القضايا الكبرى في حرب اليمن والصراع مع الكيان الإسرائيلي والأزمة الخليجية وكل تلك قد استطاعت الدبلوماسية السودانية الوقوف في موقف الحياد في أغلب تلك القضايا بما لم تدع مجالاً لأحد الأطراف لدعم هذا الحراك. 

ومن منطلق النظرة السليمة للأمر فإن أكبر الأخطاء التي وقع فيها حزب المؤتمر الوطني والتي يدفع ثمنها الآن هو استقطابه للعديد من الأشخاص والكيانات التي لا تحمل بداخلها أيٌ توجه سوي التكسب من السلطة التي يتحكم بها فاختلط حابل الولاء للفكرة مع نابل الولاء من أجل التكسب وكان ذلك نتاجاً طبيعياً لينظر البعض للمؤتمر الوطني نظرة الفئة الأخيرة والتي استطاعت السيطرة على أغلب مفاصل الحزب حين انزوى الصادقين وابتعدوا عن الحياة العامة للحزب إلا قليلا من الظهور الصوري ليصبح الآن على الحزب إعادة صياغة نفسه وتجديد طرحه لاستيعاب المتغيرات الآنية والعودة إلى مربع الحركة الإسلامية الصرف.

 
ومن خلال القراءة المتأنية لخطاب الرئيس السوداني مساء الجمعة والذي اشتمل على قرارات مفصلية من شأنها وحسب الكثيرين تهدئة الأجواء ولو مؤقتاً على الرغم من استباق دعاة الخروج للخطاب بذهابهم إلى أن أي قرار غير التنحي لا يعنيهم إلا أن المتأمل للوضع يخرج بنقاط أبرزها دخول الجيش وبشكل رسمي الواجهة من خلال التعيينات الأخيرة والذي يعتبر الضامن الأساسي لأمن واستقرار البلاد وكذلك تعهد الرئيس بالوقوف في مسافة واحدة بين الموالين والمعارضين وهي نقاط لا أرى سوى إيجابيتها خاصة للحادبين على مصلحة الوطن بعيداً عن أي خيارات أخرى في ظل الواقع السياسي المتأزم ناهيك عن وجود حركات مسلحة لا زال بحوزتها السلاح.

ويبقى أن هنالك أسبوعاً عاصفاً على الصعيد السياسي ينتظر السودان انتظاراً لصدي تلك القرارات الرئاسية وما ستفضي إليه ردات الفعل من هنا وهناك خاصة مع بروز أصوات خافته أتعبها الصمت وهي تنظر بترقب إلى ما يفضي إليه الوضع آثره على نفسها البقاء على مدرج المتفرج وهي تحمل في دواخلها الكثير من الغبن قابضة على جمر القضية ومستهزئة بالشعارات القميئة التي تدعو إلى المجهول في زمن الغفلة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة