ظلال الفاشية.. دور العولمة في صعود اليمين المتطرف

تجسد العولمة أهم خصائص عصرنا وانعكاسا مباشرا لتطور العلاقات الدولية نحو الانفتاح الشامل، فبفضلها ترابطت أركان العالم الأربع لتتحول إلى مجال مفتوح أمام تدفق السلع والخدمات والرساميل والأفكار والمعلومات، ما دفع البعض لوسم هذه الحالة بنهاية الجغرافيا أي زوال الحواجز والحدود وسيادة الدولة على مجالها، على غرار مبدأ نهاية التاريخ لفوكوياما القائمة على كون انهيار الشيوعية هو بمثابة انتصار للنظام الرأسمالي وللديمقراطية الليبرالية وأن البشرية قد وصلت إلى آخر محطة في نسق تطورها.

والواقع أن ترسخ العولمة بشكلها الحالي كأمر واقع ثم إعادة تشكيلها للمجال العالمي ليتخذ طابع منظومة موحدة على أسس المنافسة العالمية والتكامل والتعاون بين الأمم، لا يعكس الوجه البشع الذي تتوارى خلفه مظالم فادحة بحق شعوب العالم الثالث من جهة وحتى لدى الطبقات الوسطى والكادحة في المجتمعات الغربية التي تضررت أيما ضرر من عديد التحولات المتعلقة بالقوانين الجبائية ومنظومات الشغل علاوة على انقلاب طبيعة دور الدولة في المجال الاجتماعي وتخليها عن دورها المألوف، وبطبيعة الحال خلفت بشكل مباشر تأثيرات عميقة على مجمل الوضع المعيشي لهذه الشرائح الاجتماعية. 

تتقاطع هذه التيارات اليمينية المعاصرة في العديد من سماتها مع الفاشية القديمة إذ لا تخفي حنينها إلى ذلك الماضي رغم مآسيه المرتبطة بأهوال الحرب الكونية، ومن أهم محدداتها العنصرية في سمة الشوفينية المفرطة تبرز في تقديس الأمة الوطن

فهذا التطور الذي أرسته العولمة بانتقال الدولة نحو ضابط ايقاع الاقتصاد والميسر للاستثمار صاحبته العديد من الأعراض الجانبية الخطيرة في بنية المجتمعات، فبفعل اتجاه الحكومات الغربية إلى إقرار تدابير تقشفية بغية تجاوز آثار الأزمة المالية لسنة 2008 ثم إضفاء طابع المرونة على البيئة الاستثمارية في ظل المنافسة الشديدة لاستقطاب الرساميل ثم الضغوط الممارسة على أنظمة الشغل من خلال التضييق على الحريات النقابية وإقرار العمل المؤقت وانصراف القطاعات الاستثمارية نحو البحث عن آليات تقليل تكاليف الانتاج حتى وإن تطلب ذلك تعسفا في استغلال القوى العاملة إلى أقصى حد، قد ساهمت في تراجع دولة الرفاه الاجتماعي وانحدار المستوى المعيشي للشريحة الأعظم من مواطنيها التي تأثرت بالضغط الضريبي والخصخصة المفرطة للخدمات الاجتماعية وللمرافق العمومية وغلاء تكاليف العيش وهي أهم مسببات الحراك الاجتماعي الواسع في فرنسا المعروف بالسترات الصفر، وأمام وقع تراجع المكتسبات الحقوقية للطبقات الكادحة والمتوسطة تراكمت الأزمات الاجتماعية لدرجة أن مستويات التفاوت الاجتماعي والبطالة والفقر قد وصلت لمستويات غير مسبوقة في عدة بلدان.

وكما كانت ذات الازمات الاجتماعية والاقتصادية عاملا مهما في وصول الفاشية للسلطة بأوروبا خلال ثلاثينيات القرن الماضي حينما أجادت توظيف كاريزما قيادتها واستغلال القلاقل الاجتماعية والاقتصادية لمصلحتها، فإن ذات الاوضاع وإن كانت أقل حدة مقارنة بما سبق تشكل بيئة حاضنة لانبعاث تيارات اليمين المتطرف مجددا وعودتها لساحة السياسية من بوابة أنها رد فعل مباشر على العولمة والديمقراطية الليبرالية، وعادة حينما يتم استحضار هذه الاتجاه السياسي فإنه يقصد به مختلف الأحزاب والتنظيمات التي تعادي الديمقراطية الليبرالية والعولمة الرأسمالية وتعتمد في خطابها على الشعبوية والعاطفة لاستمالة الناخبين خاصة من الطبقات المهمشة والكادحة والمتوسطة، وتشمل أطياف تتباين في حدة الخطاب السياسي اذ تضم جماعات البيض العنصريين والنازيين الجدد وتنظيمات يمينية محافظة والقوميين المتطرفين.

ولعل أبرز رموزها في أوروبا نجد ماري لوبان زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا وفيكتور أوربان رئيس الوزراء الحالي للمجر إضافة إلى خيرت فيلدرز زعيم حزب من أجل الحرية في هولندا، ولعل الخطير أن استطلاعات الرأي تشير إلى كونها أسرع الأحزاب نموا حيث حازت العديد منها على ثقل جماهيري وازن في كل من ألمانيا والنمسا وإيطاليا وفرنسا دون أن ننسى الفوز المفاجئ لدونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة في وقت كان يستبعد فيه الجميع إمكانية تجاوزه حتى الدور الأول، والأكيد أن هذا التحول الخطير ينبأ بعمق الازمة المجتمعية فغالبا ما ارتبط نمو الافكار المتطرفة بحالة الافلاس السياسي والاجتماعي الذي يسهم بانحراف الرأي العام نحو تبنيها عوضا عن قيم الحداثة الليبرالية.

تتقاطع هذه التيارات اليمينية المعاصرة في العديد من سماتها مع الفاشية القديمة إذ لا تخفي حنينها إلى ذلك الماضي رغم مآسيه المرتبطة بأهوال الحرب الكونية، ومن أهم محدداتها العنصرية في سمة الشوفينية المفرطة تبرز في تقديس الأمة الوطن وبالتالي فهي ترفض تقويض العولمة لسيادة الدول القومية بداعي خنق المجتمعات كما أنها تتبنى مبدأ الانكفاء على الذات، ولهذا نجد حرصا شديدا على التلويح بالعودة للحمائية الاقتصادية وتجميد العمل باتفاقيات التجارة الحرة في خطابات دونالد ترامب أحد الرموز اليمينية في العالم وفرضه لحرب تجارية على الصين، وهذا العداء لتحرير التجارة يفسره بأنه حماية لمصالح بلاده بعد أن تفاقم عجز ميزانها التجاري، وبالموازاة مع ذلك يستند الخطاب الشعبوي لدى هذا التيار على حماية الهوية القومية والدينية ونشر حالة من الفوبيا الجماعية تجاه المهاجرين واللاجئين والتهويل من خطورتهم على النسيج الاقتصادي باعتبارهم يد عاملة رخيصة منافسة في سوق العمل ومزاحمة على الخدمات الاجتماعية.

انبعاث اليمين المتطرف مجددا في الغرب لا يمكن أن نعزوه إلى تقلبات مزاج السياسي للرأي العام أو نتيجة صدفة محضة بل هو كما تبين تعبير عن أزمة بنيوية عميقة يجسدها التوتر الاجتماعي وتفشي حالة القلق

ومن جانب آخر تستند جاذبيتها على إحياء الخطاب الديني المحافظ الرافض للحريات الفردية وللتنوع الثقافي إذ لا تقبل وجود الأقليات كشركاء في الوطن يمكن القبول بهم في إطار التعايش والتسامح مع الاختلاف العرقي والثقافي والديني بل تصفهم كتهديد وجودي للنقاء الثقافي والحضاري للغرب المسيحي، وهذا يبين لماذا تنال الجاليات الإسلامية الحصة الأعظم من الاضطهاد والتضييق وذلك لعديد الاعتبارات منها التخوف من انتشار الأصولية الدينية بينهم وتشبتهم بهويتهم الحضارية والدينية وعدم اندماجهم مع قيم الغرب، ثم ارتفاع معدلات التزايد الطبيعي في أوساطهم، حيث توظف هذه الوقائع لخلق حالة الرعب لدى الغربيين من إمكانية التغيير الديمغرافي الذي قد تعرفه المجتمعات الغربية والتي قد تتحول إلى أغلبية مسلمة في غضون العقود المقبلة.

وعليه فأن احتواء أدبيات اليمين المتطرف على معاداة قيم الحداثة الغربية وللعقلانية لا تقتصر على كراهية الاجانب، إذ تتعدى ذلك لتشمل حتى الديمقراطية البرلمانية من منطلق كونها إطار سياسي خلق ليحمي مصالح الأثرياء وطبقة كبار الرأسماليين، ولكن هذا الموقف لا يعني أنها ترفض بشكل مطلق جميع آلياتها، بل توظف البعض منها كالانتخابات ما دامت أمرا واقعا فغالبية الغربيين يقرون بأنها الاطار المثالي الوحيد لتداول السلطة ولتدبير الشأن العام، ولذلك تمتنع قوى اليمين عن نقد جوهرها العام لكون الرأي العام متشبة بمخرجاتها علاوة على كونها سبيل الوحيد للوصول إلى دفة السلطة والحكم.

أن انبعاث اليمين المتطرف مجددا في الغرب لا يمكن أن نعزوه إلى تقلبات مزاج السياسي للرأي العام أو نتيجة صدفة محضة بل هو كما تبين تعبير عن أزمة بنيوية عميقة يجسدها التوتر الاجتماعي وتفشي حالة القلق من غياب تصورات كفيلة بالحفاظ على السلم الاجتماعي والعدالة الاجتماعية والحق في الثروة في إطار دولة الرفاه، ومع إمعان الاحزاب الليبرالية وحتى اليسارية في تنفيذ النيوليبرالية وتمكين الرأسمالية المتوحشة من مزيد الارباح على حساب السواد الأعظم تتعمق حالة اليأس الجماعي من إمكانية التغيير عن طريق القوى السياسية التقليدية فيصبح البديل الامثل هو الركون للعاطفة والشعبوية، فالإنسان المقهور أي كانت ثقافته وهويته حينما يستسلم ويعجز عن مقاومة واقعه يميل إلى للخيال والمثالية ويصبح ضعيفا أمامها عسى أن يجد سلوى لنفسه، وهنا مكمن قوة اليمين المتطرف البارع في العزف على ألحانها، وعوضا عن مساءلة النموذج النيوليبرالي المعولم المسؤول عن هذه الاضطرابات وإحياء النقاش المجتمعي حول خطورة توحش رأسمال على السلم المجتمعي والبحث عن تدابير لضبطه، يميل إلى افتعال توترات ومشاكل أخرى تلقي باللائمة على اللاجئين والأقليات المهاجرة خاصة القادمة من الشرق الأوسط متناسيين دور حكوماتهم الغربية في تنامي مآسيهم والذين هم بدورهم ضحايا للعولمة ولرأسماليتها المتوحشة.



حول هذه القصة

يحتاج الاتحاد الأوروبي لإجراء تحقيق شامل في التدخل الروسي بالشؤون الأوروبية، على غرار التحقيق الذي يجريه روبرت ميولر بأميركا. ولا بد من تعقب وفضح الروس الذين يمولون الجماعات الشعبوية الأوروبية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة