شعار قسم مدونات

حرية الاختيار.. هل ينتصر الفرد أم أنه يخضع للمجتمع؟

blogs تفكير، تأمل

شهدت السنوات الأخيرة وفي ما يشبه الموضة انتشارا واسعا لما اصطلح على تسميته ببرامج ودروس التنمية البشرية، التي تقوم على نوع من التأطير النفسي الشعبي أو الشعبوي، تأطير يختزل المقاربة السيكولوجية للحياة في نصيحة بسيطة حد الاستسهال نلخصها في عبارة اختر حياتك أو خطط لحياتك ومن هنا جاء التساؤل المطروح في العنوان عن مدى قدرتنا على نسج اختيارات في الحياة وفق إرادتنا الخاصة، أم أننا لا نملك سوى الإذعان وبشكل لا واع لما يفرضه علينا المجتمع من اختيارات، في امتثال تام لما أسماه عالم الاجتماع اميل دوركايم العقل الجمعي الذي يوجد خارج عقول الأفراد، وهم يخضعون دائما لتعاليمه وتوجيهاته، في إلزام تام لهم باتباع إملاءاته.

منذ اللحظة الأولى لولادتنا تولد معنا طموحات وأحلام وغايات، ننخرط بشكل عفوي وفي سباق محموم ضد الزمن لأجل إدراك تلك الغايات، لكن هل حدث وتوقف كل واحد منا للتساؤل عما إذا كانت تلك الأهداف من صميم اختيارنا الحر، أي من صنع ذواتنا أم هي معدة لنا سلفا لننخرط فيها بشكل مستلب وفق ما أجمع الكل على تسميته بعبارة سنة الحياة.

تحقيق وعي الإنسان لوجوده لا يتم إلا من خلال امتلاك الإرادة الحرة وهذه الأخيرة هي الوحيدة الكفيلة بتحقيق مطلب إرضاء الذات، أما حين تغيب تلك الإرادة الحرة وتتحول إلى انقياد قسري فإن النتيجة تكون هي الاغتراب عن الذات

في زمن تطغى فيه الماديات بشكل يجعل كل شيء خاضعا لسلطة المال يصبح من العسير أن يجد الإنسان تحقيقا لذاته في أي مسلك بعيد عن مسلك التمكين المادي، هنا نخلق الإنسان ذي البعد الواحد، ومن يشذ عن هذه القاعدة فسيكون مصيره النبذ من طرف المجتمع، كثيرا ما تتردد مثلا هنا وهناك خطابات رومانسية عن احترام ذوي الأعمال الشاقة أو البسيطة، لكن هكذا ادعاءات تظل شعارات فقط وتلك الفئة من أصحاب تلك الأعمال سيعانون من الاحتقار والتهميش، ذلك لأن المجتمع لا يعترف بقيمة الفرد إلا من خلال ما يمتلك من مال، وحده القادر على خلق سلطة على الآخرين وبالتالي خلق قبول لديهم، فهنا لا صوت يعلو فوق صوت الترقي المالي كسبيل أوحد للترقي الاجتماعي والإنساني.

غير أنه وللمفارقة فحتى الشخص المتمكن ماديا لا ينتهي به المطاف إلى استشعار ما يكفي من الرضى، ويبقى يرزح تحت نير شقاء غير مبرر ومصدر هذا الشقاء أنه لم يختر ما أنجزه وإنما هو جاء استجابة لنمط مفروض من خارج الذات، وبالتالي فالتحقق هنا قد مس القشرة دون أن يصل إلى الجوهر.

ومسألة الإرادة والاختيار لا تخص ما هو مادي فقط وإنما نجد لها إرهاصات في كل ما يرتبط بالأعراف الاجتماعية، بداية من التربية مرورا بالدراسة والعمل والزواج واختيار الشريك والإنجاب واختيار نوع اللباس، وصولا إلى تمثُّل الشعائر والطقوس الدينية، إن لم نقل اختيار شكل المعتقد نفسه، كل ذلك مهيئ لنا سلفا وأي خروج عنه يعتبر تجذيفا مستنكَرا يلقي بصاحبه إلى غياهب العزلة الموحشة. فلا مجال هنا لصياغة وجود معنوي ذاتي، لأن هذا البعد المعنوي قد تم طرده، فيما بالمقابل تم حصر حاجات وأمنيات الإنسان المثلى ضمن أطر محدودة بالاستهلاك المادي وبقواعد سوسيولوجية جاهزة مجمع على اتباعها بشكل آلي.

إن تحقيق وعي الإنسان لوجوده لا يتم إلا من خلال امتلاك الإرادة الحرة وهذه الأخيرة هي الوحيدة الكفيلة بتحقيق مطلب إرضاء الذات، أما حين تغيب تلك الإرادة الحرة وتتحول إلى انقياد قسري فإن النتيجة تكون هي الاغتراب عن الذات من جهة ثم تدجين البعد الأخلاقي في كينونة الإنسان من جهة ثانية، وذلك لأن الأخلاق لا ترتبط بما يحدده ويفرضه الآخرون وإنما هي تخص الإنسان وحده، ومصدرها ضميره ووعيه.

من المؤكد أن حياتنا اليوم تعرف وإن على مستوى الظاهر جودة عيش أكبر، تتجسد أكبر تمظهراتها في ما تعرفه وسائل التواصل الاجتماعي من تنافس في عرض مختلف أنواع الممتلكات ونشر مختلف أنواع الملذات، كل ذلك كان سيكون جميلا ولا ضير فيه لو كان يعبر حقا عن تحقق ذاتي مسبوق باختيارات شخصية حقيقية، غير أنه وفي الغالب الأعم لا يعبر سوى عن تعويض نفسي عن ذلك الشقاء الذي سبَّبه انخراط موجَّه في اتجاه نسق ميكانيكي لا اختيار لنا فيه، وهنا مكمن الإشكال..!