شعار قسم مدونات

الكتابة.. وإذا أدمنتَها ماذا يهزمك!

blogs كتابة

كثيراً ما يسألونني لماذا أكتب؟! وماذا أستفيد؟! ورغم أن الكاتب يواجه تحديات كثيرة، عدا عن كثير من الناس السطحيين الذين يظنون أن كل ما تكتبه يعبر عنك وعن حياتك الخاصة، سأبقى أكتب.. ليس لأن لدي وقت فراغ كبير، ولكني أجد في الكتابة متعة لا تضاهى، وفسحة للروح لا يحُدُّها شيء. فلست ممن يفضلن الجلسات النسائية، وكلام القيل والقال، ولغو الحديث. فأنا أجد في الكتابة متنفساً بعيداً عن نفاق البشر، أجد فيها الصديق الوفي الذي لا يتركني حتى ألج بحر الحروف، أتنقل من زورق إلى زورق ومن عمق إلى أعمق، أتذوق بهاء الحروف وهي تخرج من صميم القلب، أدمنها كمن يدمن فنجان قهوته ولا يجد للصباح رونقاً إلا إذا احتساه. أسترق الوقت وأقتطعه من صخب الأيام وسرعتها، تستوقفني الأحداث تارة، تؤثر بي المواقف تارةً، ويأخذني الحنين لزمان ولّى تارة أخرى.

أكتب لأغير نظرةً، وأنقل واقعاً، وأوصل فكرة. أكتب لأبعث أملاً في قلبٍ يائس، وأربت على كتف وجعهِ، وأريه النور وسط ركامه. أرى أن الألم وقود الكتابة، فأصدق الكلام ما ينبع عن الإحساس، ولأن إحساس الألم أعمق ويؤثر فينا أكثر.. نرى أكثر الناس وجعاً أو إحساساً بآلام غيرهم هم الأكثر إبداعاً وشغفاً بالكتابة. فهذه الكاتبة أميرة صليبيخ تحثك على الكتابة كلما كان وجعك أكبر فتقول: "اكتب.. اكتب.. اكتب ".. حتى تلهيك الكتابة من أن تموت مبكراً بعد الذي شهدته وعاصرته.

نحن نكتب لنقهر اليأس ونجدد طاقة الأمل… نكتب لتبقى نوافذ أحلامنا مشرعة، تشرق عليها الشمس كل صباح، فتعكس أشعتها على أرواحنا الصفاء، وتجتثُّ من صدورنا الكدر والضيق. نحتاج للكتابة كما تحتاج بيوتنا لأعمال التنظيف اليومية

فكلما حاول العالم أن يتجاهل أوجاعك، اعلم أن آثار الجريمة ستكون أكثر وضوحاً، وأن من يملك قلماً يصبح هو سيد الساحة! وتقول: في الوقت الذي كنت أرى اتساع الجرح أكبر من العالم، كان القلم يرتق الجراح كلما تمادت في النزف، وحاولت الثورة على الشفاء. وتقول اودري لورد: أنا اكتب بالنيابةِ عن النساء اللواتي لا يتكلمن، اللواتي فقدن أصواتهن من شدة الهلع، لأننا عُلمنا أن نحترم الخوف أكثر من احترامنا أنفسنا، تعلمنا أن الصمت ينجينا ولكن الأمر ليس كذلك!

التشيكي فرانتس كافكا يقول: الكتابة عبارة عن انفتاح جرح ما! الروائية الفرنسية كوليت تصف الكتابة على أنها عملية اشتعال: لا تقود الكتابة إلا إلى المزيد من الكتابة. أما الشاعر والمسرحي السوري محمود الماغوط يقول: عالمي هو الكتابة. أنا خارج دفاتري أضيع دفاتري وطني. فالكتابة قد تبدأ من تعبير عن ألم أو ظلم أو حب أو تأثر بموقف أو حالة إنسانية وتنتهي بإدمان على الحروف، إذ يرى الكاتب في كل مرة معنى جديداً في كل حرف، يرى فيها ملاذه في كل ضيق، ولا يجد دواءً أنجع من سحر الكلمات لما تنساب نبعاً يعزف ترانيم السلام والسكينة في فؤاده، ويجعل قلبه دائم الخضرة مهما حل به.. لا يهزمه شيء ولا يُسلمه إلى اكتئاب.

فنحن نكتب لنقهر اليأس ونجدد طاقة الأمل… نكتب لتبقى نوافذ أحلامنا مشرعة، تشرق عليها الشمس كل صباح، فتعكس أشعتها على أرواحنا الصفاء، وتجتثُّ من صدورنا الكدر والضيق. نحتاج للكتابة كما تحتاج بيوتنا لأعمال التنظيف اليومية.. وكما نحتاج للتغيير فيها من وقت لآخر.. من يكتب لن يتسلل اليأس إلى قلبه أبداً، وإن أصابه الضجر فلن يطيل المكوث لديه، ومن لا يهوى الكتابة أو لا يملكها فعليه بالقراءة؛ ليخرج من قوقعته، ويرى الدنيا بمنظور أعمق؛ لتأخذه الكلمات إلى حيث يحلم..

ومن أراد أن يكون كاتباً فعليه أولاً أن يكون قارئاً جيداً فحتى في بداية مراحل التعليم الكتابة تعقب القراءة. في أي وقت تشعر برغبة في الكتابة اكتب، ففي كل محاولة ستشعر بشيء جميل يُخلق داخلك، وكل كلماتٍ تكتبها ستنفض الغبار عن ركود عقلك، وتفسح المجال لتدفق كلماتٍ أجمل في بحر لغتك، والكشف عن مكنونات حسِّك.

كل ما عليك فعله أن تطلق العنان لكلماتك فالقيود عدو الكتابة، إذ لا يمكن لكاتبٍ أن يبدع وهو يفرض الحصارَ على كلماته، ويضع بعضها رهن الاعتقال أو الإقامة الجبرية في خلجات صدره. ولا تنسَ عند الكتابة أن تعطِّر كلماتك برحيق الصدق، فلا تكتب لمجرد الكتابة… لا تكتب إلا إذا شعرت أن موجة إحساس عارمٍ تجتاح كيانك، وتدفعك للكتابة بكل جوارحك… احذر أن تلجأ لحشو كلمات عقيمة الإحساس لمليء سطورك.. فالكتابة تعطيك وتغدق عليك بقدر ما تأخذ منك… إنها الإدمان الذي يزيدك صحةً، فإن كانت الكتابة إدمانك ماذا يهزمك!

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.