كندا وحقوق الإنسان.. بين مصالحة الأقليات والعقوبات على السعودية

blogs جاستن ترودو

يعتقد البعض أن الاهتمام الكندي بحقوق الإنسان في الشرق الأوسط يعود لدوافع سياسية، أو ربما هو نوع من الابتزاز السياسي للسعودية، على غرار ما يفعله الرئيس الأمريكي ترامب من حين لأخر مع الملك وولي عهده.

  

لكن المتتبع للتحركات والتصريحات السياسية لرئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، منذ انتخابه رئيسا للوزراء عام 2015، يلاحظ تناغم مواقفه الخارجية مع الاهتمام الداخلي بحقوق الإنسان حيث بدأ فترة حكمة بالاعتذار عدة مرات بالنيابة عن الحكومة الكندية عن الجرائم التي ارتكبت ضد السكان الأصليين، والتمييز العرقي ضد المهاجرين اليهود والهنود في بدايات القرن الماضي، وتعتبر تلك الاعتذارات الداخلية محاولة لإعادة لم شمل المجتمع الكندي كمقدمة للانطلاق نحو الساحة العالمية بطريقة أكثر تصالحا وأكثر ليبرالية.

   

وتماشيا مع تلك التحركات، قامت كندا بتعليق صفقة أسلحة للسعودية خوفا من إساءة استخدامها في حرب اليمن أو في القمع الداخلي، حيث تشهد السعودية موجه من القمع الداخلي والاعتقالات التعسفية للنشطاء السياسيين.

 

تاريخ كندا مع السكان الأصليون

عانت كندا من تدهور في حقوق الإنسان منذ إنشائها بسبب قوانين الهجرة الكندية وسياسات الإدماج القسري، حيث عمل الإتحاد الكندي منذ إعلان الدولة الكندية عام 1867، على تدشين سياسة الإدماج القسري لأطفال السكان الأصليين في المجتمع الكندي، والتي وصلت لحد خطف أطفال الهنود الحمر من الطرقات لمن يرفض إرسال ابنه للمدارس الكاثوليكية والإنجليكية اللتان تشرفا على عملية تنصيرهم وإدماجهم في المجتمع الكندي، عن طريق مسح هويتهم الثقافية والدينية، وتعليمهم اللغة الإنجليزية والفرنسية وغرس القيم الكندية المسيحية قسرا.

 

في مايو 2018 اعتذر ترودو عن رفض كندا استقبال أكثر من 900 يهودي هاربين من جحيم هتلر في بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939، مما أدي لرجوعهم مرة أخري لألمانيا بعدما رفضت أمريكا استقبالهم أيضا، الأمر الذي أدي لهلاك 254 منهم

وبلغ عدد الأطفال الذين درسوا في تلك المدارس الداخلية 150 ألف من أبناء قبائل السكان الأصليين، وقد مورس بحقهم تجاوزات عديدة وصلت للضرب المبرح والاغتصاب أحيانا، ويعتقد أن 6 ألاف طفل لقوا حتفهم في تلك المدارس، بسبب ما عانوه من ضرب بالسياط وصعق بالكهرباء لمن يحاول الهرب. وكشف عن هذه الجريمة قس كاثوليكي يدعي كيفن أنيت في كتابه (صمت التاريخ عم المحرقة الكندية) والذي على إثره تم إغلاق هذا النوع من المدارس عام 1996، وتم وتشكيل كيان لمتابعة التحقيق في تلك القضية عام 2001، والذي الزم الحكومة الكندية بتقديم اعتذار رسمي في 2008، كما قامت كندا في نفس العام بإنشاء لجنة لتقصي الحقائق الذي تم الانتهاء منه عام 2015.

   

ترودو يعتذر عدة مرات

بمناسبة صدور التقرير الختامي للجنة تقصي الحقائق والمصالحة قدَّم ترودو اعتذاره أمام مجموعة من الطلاب السابقين في تلك المدارس الداخلية ومجموعة من زعماء السكان الأصليين في حفل مؤثر جرى في العاصمة الكندية أوتاوا (ديسمبر 2015) في هذا الشأن، وتم دفع تعويضات بلغت ملياري دولار كندي لـ 80 ألف من الطلاب الناجين من تلك المدارس. كما طلب ترودو من البابا فرنسيس الاعتذار باسم الكنيسة الكاثوليكية للسكان الأصليين عما تعرضوا له من انتهاكات جسدية وجنسية ونفسية داخل المدارس التابعة للكنيسة الكاثوليكية.

 

لم يكن هذا الاعتذار الوحيد لترودو، فقد قدم ترودو اعتذار باسم الحكومة الكندية مايو 2016، أمام أحفاد بعض الضحايا عن حادثة السفينة كوماجاتا مارو، التي وقعت أحداثها عام 1914 عندما هرب 347 شخص من هنود ولاية البنجاب من بطش السلطات الهندية في ذلك الوقت ورفضت الحكومة الكندية استقبال سفينتهم، بسبب قوانين الهجرة الكندية التي ترفض دخول الأسيويين لكندا أن ذاك، وهو ما أدي إلي رجوعهم مرة أخري للهند ومقتل 19 منهم على يد السلطات الهندية.

  

وفي مايو 2018 اعتذر ترودو عن رفض كندا استقبال أكثر من 900 يهودي هاربين من جحيم هتلر في بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939، مما أدي لرجوعهم مرة أخري لألمانيا بعدما رفضت أمريكا استقبالهم أيضا، الأمر الذي أدي لهلاك 254 منهم في محرقة الهولوكوست النازية، حيث وصف ترودو قرار كندا آنذاك بـ"الفصل المخجل" من التاريخ الجمعي الكندي، وقوبل كلامه باستحسان الحضور.

 

الحكومة الكندية الحالية وحقوق الإنسان

يتابع المراقبين الحقوقيين تحركات حكومة ترودو بمزيد من الفتائل، فبالإضافة لتقديم الاعتذارات للسكان الاصليين والعرقيات المختلفة عن جميع جرائم التمييز العرقي والديني، شمل الاهتمام الحكومي بحقوق الإنسان مجالات أكثر، مثل تخصيص مبالغ مالية لصالح منظمة الأونروا (وكالة دعم اللاجئين الفلسطينيين) بلغت 25 مليون دولار كانت الحكومة السابقة قد أوقفتها، بالإضافة لـ10 ملايين دولار إضافية لتغطية العجز بعد انسحاب أمريكا من دعم الأونروا، ودعم الروهينجا بـ3 مليون دولار، كما تم استقبال 25 ألف من اللاجئين السوريين، وإرسال 600 جندي لمالي لحفظ السلام. كما تم تعيين وزيرين في الحكومة الحالية من أصول إسلامية، كإشارة على التنوع الثقافي والعرقي للمجتمع الكندي وانفتاحه على جميع الأعراق والديانات.

 

مع ازدياد موجه القمع الداخلي في السعودية، كما حاولت وزير الخارجية الكندية لفت انتباه العالم للانتهاكات التي تمارسها السعودية ضد النشطاء السياسيين

تتناغم تلك الإجراءات مع محاولات حكومة ترودو العودة للساحة الدولية مرة أخري والحصول على مقعد في مجلس الأمن، حيث ينافس كندا على المقعد كلا من إيرلندا والنرويج صاحبتا السبق في خدمات حقوق الإنسان. حيث يطمح ترودو في إعادة شغل كندا لمقعد في مجلس الأمن عام 2021، أي بعد عشرون عاما من أخر حضور لكندا في مجلس الأمن عام 2000، حيث رفض الحزب المحافظ الحاكم في عام 2010، تخصيص ميزانية لحقوق الإنسان وجهود الإغاثة أثناء تقديمه لطلب الحصول على مقعد في مجلس الأمن، وهي أحد الشروط الواجبة للدخول لمجلس الأمن، مما أدي لخسارة كندا المقعد لصالح البرتغال.

 

صفقة الأسلحة الكندية للسعودية

عقدت السعودية مع الحكومة الكندية السابقة عقد لتوريد اسلحة بقيمة 13 مليار دولار عام 2014، لكن ظهور مقاطع فيديو لمركبات مدرعة كندية تستخدم ضد المتظاهرين الشيعة في العوامية في عام 2017، جعلت الحكومة الكندية الحالية تعبر عن قلقها إزاء استعمال أسلحة كندية لقمع متظاهرين.

 

وفي اليمن تسببت الحرب التي تشنها السعودية مع بعض حلفائها، في زيادة الانتقادات الموجهة للسعودية بسبب انتشار الأوبئة والمجاعات، ومع ازدياد موجه القمع الداخلي في السعودية، كما حاولت وزير الخارجية الكندية لفت انتباه العالم للانتهاكات التي تمارسها السعودية ضد النشطاء السياسيين، عبر تغريدة للإفراج عن أحد الناشطين السعوديين، وقامت السفارة الكندية في السعودية بترجمتها وإعادة نشرها، الأمر الذي قابلته إدارة بن سلمان بقرارات عنيفة، تمثلت في طرد السفير الكندي وسحب السفير السعودي، وإنهاء ابتعاث السعوديين في كندا والبالغ عددهم أكثر من 20 ألف شخص، في محاولة للضغط على كندا باستخدام سلاح المبتعثين، حيث يبلغ حجم الإنفاق الحكومي السعودي على المبتعثين حوالي 800 مليون دولار.

 

أزمة خاشقجي وتوقيع عقوبات على السعودية

بالتزامن مع حادثة خاشقجي أسرعت الحكومة الكندية بالبحث عن مخرج لإلغاء صفقة الأسلحة للسعودية، بالرغم من الشرط الجزائي البالغ مليار دولار كندي، حيث أعلن رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو في ديسمبر 2018، عن محاولة بلاده إيجاد مخرج لتلك الصفقة، خوفا من استخدامها في قتل مدنيين في اليمن، خصوصا في ظل اتخاذ ألمانيا موقف مشابه نتيجة للأوضاع المأساوية في اليمن.

 

وفي نفس السياق اتخذت بلجيكا والنرويج قرارات مشابهة في منتصف عام 2018 بسبب تردي حقوق الإنسان في السعودية، وسبقتهم السويد في عام 2015 بمنع تصدير الأسلحة للسعودية. حيث ساهمت صدمة مقتل الإعلامي لمأساة الصحفي السعودي جمال خاشقجي، في صناعة تكتل عالمي ضد السياسات المتهورة لولي العهد السعودي، ففي فبراير 2019 صوت مجلس النواب الأمريكي بأغلبييه ساحقة على قانون لوقف دعم التحالف الذي تقوده السعودية في حرب اليمن. كما أدرجت المفوضية الأوروبية قبل عدة أيام، السعودية في القائمة السوداء بسبب (تهاونها في تمويل الإرهاب وغسل الأموال). وتعزز تلك العقوبات من محاولات ترودو لمنع تدفق الأسلحة الكندية إلى السعودية بالرغم من الضغوط الداخلية عليه من قبل شركات الأسلحة.

 

هل تنتقم السعودية من كندا؟

على الجانب الأخر تخشي الادارة الكندية من خسارتها لمقعد مجلس الأمن أمام إيرلندا والنرويج، حيث من الممكن أن تقوم السعودية بالانتقام عن طريق استخدام المال السياسي للضغط على حلفائها من الدول الفقيرة، من أجل التصويت ضد كندا وحرمانها من هدفها في العودة للساحة الدولية وصناعة القرار العالمي، حيث قامت السعودية بعمل مشابه في المجال الرياضي عام 2018، عن طريق الحشد للتصويت ضد المغرب في ملف تنظيم كاس العالم 2026، بسبب رفض المغرب للحصار المفروض على قطر.

تري هل تنجح الليبرالية الكندية في إقناع دول العالم بدورها المحوري في ملف حقوق الإنسان العالمي، أم يتدخل المال السياسي السعودي ويعاقب كندا لمحاولتها نصرة الناشطين السياسيين في السعودية؟ هذا ما سنعرفه في انتخابات مجلس الأمن المقبلة عام 2020.