شعار قسم مدونات

أنف من زجاج.. إن سقط تكسّر!

blogs تأمل

في الحبّ كما في الحرب، نفوس توجَع، قلوب تفجع، أوزار في النهاية توضع ومعالم أثرية بالنار من الجذور تُقلع. في الحبّ كما في الحرب، طرف مستضعَف يبسط صدر الثقة وآخر أناني يؤدّي دور الجاني؛ يزحف طمعا في توسّع مجاني، لا يذر رأسا على وسادة، يعيث في القلب فسادا، لا يكاد يبقي في الجسم على روح، يمتص ما فيه من حياة ويروح!

في الحب كما في الحرب، يقف الطرفان على ضفتين من أمان ثم فجأة يلتحمان. غير أن التحام الحب مختلف جدّا، وأشبه بالتحام الضمادة بالجرح، كأن أحدهما قطن والآخر جرح! وتعلم أنت جيّدا شدّة الالتصاق، فاحتكاك كهذا سيحدث أزمة عند الفراق، سيستدعي ألما وبكاء ودموعا وأسلحة مرطبة، تعمل على إضعاف قوة الضمادة المعذّبَة، وتحريرها من عضّة الجراح التي بلغت النصاب من الغذاء، فالتأمت بقدر يؤهلها لتأدية فريضة الزكاة والتصدق بالضمادة لسلة المهملات، هناك حيث يقدّر عليها الزوال بفعل عادة الإهمال، فهي لم تعد تصلح للاستعمال. أتدري يا بنيَّ ما هذا؟ هذه قصة المدعو "حب" يوم ربط بين السيد جرح والسيدة ضمادة! فتبّا له من حبّ مزوّر..

حكاية الذين عادوا يحاولون بعث كلماتنا من مرقدها، يحملون تابوتا فيه ذكريات بالية ومواعيد حزينة وبقية مما ترك القلب فيها، وهم عن أفراحنا غافلين، كأنّهم نسوا أنّنا لا نحبّ الآفلين! ونسوا أو تناسوا أنّنا نتحوّل

وبعد مدّة حصحص الشّقّ؛ تفزّر الجرح وتولّى، فلم يجد الضمادة التي عنها تخلّى، وما جارت عليه ولكن حقّ جزم الفعل المعتل بالحذف لا الساكن، وما جارت عليه ولكن حقّت كلمة الفراق على الخذول، وطفق يمسح بالاعتذار وجهه الخجول، فلم ينفعه ندم على رِدّة أمام ما فرضته أنفتها من حِدّة. عاد الجرح ينادي؛ أن عفوكِ يا بلادي؛ لو أن لي كرة فأكون من المقربين، ومعي تسعدين، ثمّ خرّ باكيا يتحسّر، غير أنّ للضمادة أنف من زجاج؛ إن سقط تكسّر! التفتت هي بعزّة، أغرقتك –قالت- في عطائي، ولما اشتدّ عودك لم يعد يدثّرك غطائي، ولم يعد يستهويك بقائي. أنا التي لففتك بأثوابي، أنا التي فتحت لك أبوابي، تتبوأ من القلب حيث تشاء، ما عادت لك فيه زلفى مذ بعت ما كان بيننا من ألفة. أ تعود بعد أن افتقدت الإحسان في بُعدي، لتعدني بحبّ لا ينبغي لأحد من بَعدي؟! الحب يحفظ الكرامة يا سيدي وحبّ كذاك الذي أفلتّ به يدي ليس حبا وإنّما رياء، لم يزل يكتسي فيك ثوب الكبرياء!

قصصنا نحن البشر يمكن لأي شيء على وجه الأرض أن يجسّدها يا بنيّ، ويمكننا التعبير عن سلوكنا بمحاكاة وظائف أشياء بسيطة من حولنا، ويمكن لعضو في هذا الجسد الضعيف لم نطلق عليه يوما صفة النبل العلمية أن يختزل قيمة عظيمة ويعبّر عنها بمفرده. يمكن لجزء أن يحفظ الكل كأن يتقدم الأنف وجه الإنسان ويحفظ ماءه، حين يكون معناه الكرامة وما أدراك ما الكرامة! فقالت العرب "فلان حميّ الأنف" "فلان لا يكسر أنفه" "قوم شمّ الأنوف" "وذاك إنسان أنوف" "وإياك أن تمرّغ أنفك في الوحل" فكان الأنف من كل شيء أوّله تماما كما الكرامة، وجعلت كسره تعبيرا عن الذل والمهانة فقالت "رغم أنفه"، ويكأن الإنسان يتنفس بأنفه الكرامة يا بنيّ! وكيف لا يكون ذلك وقد جاء في قوله تعالى إعلاء لشأن الإنسان بالكرامة "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".

حكاية الجرح والضمادة هذه هي حكاية الفراق البائن، ذاك الذي ذاعت أخباره في المدائن، هي حكاية كل أولئك الذين جعلوا القلب ذلولا لمن حملوا لقب أحبّة، فسلكوا سبله دون أن يضرموا فيه شيئا من الإحساس، أولئك الذين رفعوهم ذات عهد على الرؤوس تاجا في محلّ كلّ الناس، فمضوا في الأرض كالسّامري يقول لا مساس، محرومين منهم للأبد. حكاية الذين استحوذ عليهم النسيان فأنساهم ذكر من أخلصوا لهم، حكاية الذين عادوا من خذلان قديم حافين من حولهم.

حكاية أولئك الذين كانوا لنا الأصدقاء والرفاق، أولئك الذين أغرقونا في النفاق، أولئك الذين عادوا بعد أن هدّدونا في الكرامة؛ يلتمسون منا مودة وملامة، نطمئنهم بها أنهم هنا في الفؤاد مقيمون، وأنّنا على عهد الغباء والذل باقون، أولئك الذين عادوا يدوسون أرضنا وأبوابنا يدقّون، فرفضنا لقاءهم ونبذناهم في الهمّ، كما زجّوا بمشاعرنا في ميتم؛ ليس فيه إلّا الألم، وأقحمونا في كرب ضروس لم يبخل علينا بالعبر والدروس. حكاية الذين لم يشعروا بقيمتنا إلّا بعد أن جرّعونا الفقد البنّاء فسقيناهم بدورنا الفقد الهدّام، أولئك الذين غادرناهم بكل جسارة، فتذوّقوا من بعدنا طعم الخسارة. حكاية الذين عادوا يحاولون بعث كلماتنا من مرقدها، يحملون تابوتا فيه ذكريات بالية ومواعيد حزينة وبقية مما ترك القلب فيها، وهم عن أفراحنا غافلين، كأنّهم نسوا أنّنا لا نحبّ الآفلين! ونسوا أو تناسوا أنّنا نتحوّل، كملامح طفل في عامه الأوّل.

ويحدث أن تفيء إلى رشدك في لحظة تحرّش بالكرامة، فتلبس كلماتك ربطة عنق ويرتدي حديثك بذلة رسمية لم يعرف لها من قبل سميا، بعد أن كان يصدح بكل عفوية آناء الليل وأطراف النهار في ساحاتهم؛ يقرأ الأذيّة هديّة. ويحدث أن تطوي الكتاب ويحدث أن تنتهي صلاحية العتاب ويحدث أن تنسحب من ملعب الكذب وتعود لضفتك في صمت وهدوء وكلك إيمان أنك على حق وأدّيت الواجب، وكلك ثقة أن التخلّص حل صائب؛ يقيك من المصائب، أنّ التخلّص يحفظ الكرامة فلا ترى وجهك مصفرا أو حطاما. يا بنيّ ما من حب صادق على وجه الأرض استفزّ في حياته الكرامة، وجلس في شوارعه يستجدي الناس اهتماما. وما كرهناهم ولكن لم نذر لهم في القلب الأماكن، وما كرهناهم وإنّما تعلمنا أن نحبّ أنفسنا، كما أحبّوا المادة والأهواء!

قال أندرو كارنيغي يوما "جروح الكرامة يصيب بها المرء نفسه بنفسه" فاحذر أن تصيب نفسك بسهم نفسك. واعلم يا بنيّ، ربّ امرئ عرف قدر نفسه، احترمها ورعاها فلم يظلمها، وأقامها على الحق فاستطاع به أن يفرق بين الظلمات والنور، ووفّر لها الحماية من كلّ انتقاص وجور. ولو أنّ كل إنسان على وجه هذه الأرض عرف قدر نفسه يا بنيّ؛ لما اختلط مفهوم الحب بالشوائب ولما عرفت الحروب طريقا إلى البشرية، ولو أن الضمادة أدركت هذا في البداية، لما استفزّها الجرح بتلك النهاية. وكم صدق ابن تيمية حين قال "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة"، الاستقامة التي تحفظ الحقوق وترتّب الواجبات، الاستقامة التي تجعلنا منصفين مع بعضنا البعض، كرماء ورحماء وأوفياء، صادقين ومتعاونين ومتحابين ومحسنين، فلا يقربنا بالسوء إلا ظالم لنفسه مبين. وتذكّر يا بنيّ الموت أجمل من عيش فيه ذل ومهانة، فاحفظ الأمانة.