نفشل.. لأننا لا نمتلك هواية!

تصور أن هناك من بني جلدتنا من لا هواية له، تسأله يكاد لا يجيب ولا يستحسن السؤال وفي أحسن أحواله يتخذ كرة القدم هواية باعتبارها رياضة الفقراء، وربما لا يلعبها ويكتفي بالتفرج عليها ليملأ وقتا هو كل رأسماله، وغالبا يكون من هواة المقهى قضى نصف عمره فيه، شريحة كبيرة من مجتمعاتنا تعيش على هذا النمط، غريب كيف تملأ المقاهي أحياءنا وكيف تراها كلها ممتلئة على كثرتها وقربها من بعضها، وغريب كيف لا تجد مقهى واحدا في الأحياء الشعبية في الغرب.

المقاهي في الدول الغربية تجد لها طابعا خاص "concept"، هناك مثلا مقهى في اسبانيا مختص في اللغة الإنجليزية، رواده يتقنونها يأتون خصيصا للتعرف على أشخاص جدد يريدون تعلم اللغة، تبتاع مشروبا لأحدهم فيجلس معك يحادثك بالإنجليزية، وفي كل طاولة جهاز ذكي موصول بالإنترنت يمكنك من الترجمة، ومن الغرابة بمكان ذلك المقهى الإسباني الآخر الذي يجعلك تعيش تجربة الزلزال على درجة 7،8 على مقياس رختر، ما عليك إلا اختيار مشروبك المفضل والاستمتاع بهذه التجربة الغريبة في مقهى "disaster café" الإسباني.

أثر الهواية قوي في زيادة الإنتاج لذلك أصبحت معظم الشركات العالمية تخصص مساحات ومسابقات داخل الشركة لأصحاب الهوايات، وغالبا ما تجد لديهم صالة ألعاب كأدنى ما يمكن توفيره للموظفين

ربما ابتعادنا عن الهواية جعلنا لا نبدع في إنشاء مقاهي بطابع خاص، المقهى غالبا لا يصلح في بلادنا إلا للسجائر ومقابلات كرة القدم، وتكاد لا تجد مقهى واحدا في مدينتنا يمنع التدخين، ذلك لأن التدخين هو محرك المقاهي، الهواية بداية الإبداع، باب للعلاقات والصداقات الجديدة، تهذيب للنفس، الهواية تجعل منك شخصا قادرا على الاستغناء، قادرا على الانتظار دون تذمر، قبل هذا كنت لا أطيق قاعات الانتظار ولا أحسن فيها غير استعمال هاتفي الذكي، فسحة غالبا أندم عليها لأن الفراغ قاتل يجعلك تبعث رسائل تندم عليها، يجعلك تفكر في أشخاص أو أشياء لا تستحق منك اهتمام، لأن الفراغ أصل المصائب كما يقول المثل الإنجليزي.

كان ذلك قبل انشغالي بالقراءة، وقبل اهتمامي بمكعب الروبيك الذي يستحق وحده مقالا كاملا في تعديد مزاياه، ذلك الشيء الصغير مختلف الألوان الذي يجعلك تضيع فيه، يجعلك تتحدى نفسك وتذهب بها بعيدا لتعطي أقصى ما لديها و تعلم أنه لا زال في استطاعتها المزيد، الهواية فسحة صغيرة سريعة ربما لكنها تخرجك من ضغوط الحياة والعمل وتجدد فيك البريق، واختلاف الهوايات وتعددها مهم لبقائها واستمرارها، أكثر من ذلك الهواية تنمي مهارات كثيرة تيسر حياة الإنسان، تفتح لك آفاقا كبيرة، وتقوي لديك الكثير من الملكات.

الهواية طريقك إلى الوظيفة

هناك حيز لا يستهان به في كل سيرة ذاتية يُخصص للهوايات، والكثير من الرؤساء في العمل يهتم بهذا الحيز وربما يكون الفاصل في اختيارك أنت دون غيرك، لأن الهوايات تعكس ملامح شخصيتك ومدى توازنك النفسي، تعكس مدى استغلالك لوقتك ومدى اهتمامك بالأشياء القيمة في الحياة، تعكس درجة مثابرتك وإلى أي مدى أنت مهتم بتحسين مجهوداتك ونتائجك، تعكس اهتمامك بالنشاطات الجديدة وتطلعك إلى التغيير، تعكس قوة تأقلمك وانفتاحك على التحدي والمبادرة كما تعكس تنظيمك للوقت بشكل مثالي واهتمامك بالتفاصيل.

لدى خبراء النفس لائحة بقائمة الهوايات وما يقابلها من صفات لدى صاحبها، فتجدهم مثلا يقولون عن صاحب رياضات التحمل عنيد مثابر وحيوي وهي صفات مطلوبة بشدة في مجال التسويق، أما عن رياضات القفز والغوص فيكون صاحبها من أصحاب التحدي والمخاطرة المحسوبة وهي صفات مطلوبة في المدراء والرؤساء، وعن الهوايات الإبداعية كالرسم والتصوير يكون صاحبها يميل للابتكار والتطوير مما يجعله مطلوبا في أعمال التصميم والعلاقات العامة، وعن صاحب الرياضات الجماعية يقال أنه يميل إلى العمل مع الفريق من أجل هدف مشترك وهي صفة مطلوبة في الكثير من المناصب والشركات، واللائحة تطول وإن لم تكن دقيقة في جميع الأحوال فهي تبين أثر الهواية على الشخص والشركة.

أثر الهواية قوي في زيادة الإنتاج لذلك أصبحت معظم الشركات العالمية تخصص مساحات ومسابقات داخل الشركة لأصحاب الهوايات، وغالبا ما تجد لديهم صالة ألعاب كأدنى ما يمكن توفيره للموظفين، تجد مكتبة وربما بطولة داخل الشركة في رياضة ما وبطولات بين الشركات في مجالات لا علاقة لها بتخصصهم كمسابقة في ألعاب الكرتونية أو رياضات جماعية، كل ذلك من أجل تقوية الروابط بين الموظفين، وجعلهم يكتسبون أفكارا جديدة والاستماع إلى تجارب غيرهم والاستفادة منها.

الهواية تنهض بالمجتمع والفرد

حري بالمجتمع السليم الاهتمام بالهوايات، خاصة لدى الشباب لما لهم من طاقة ووقت لا بد من استغلاله، على أن يختار الشخص هواياته ولا تُفرض عليه، من المهم تجربة الكثير منها واختيار أقربها للنفس، تلك أمور وراثية جينية لا دخل لنا بها تجعلك تستأنس ببعض الهوايات وتمقت أخرى والتجربة وحدها ما تساعدك على الاختيار، اختر ما تحب ودعه يقتلك تنطبق كثيرا على الهوايات، لأن الهواية بطبعها أبدا لا تقتل الإنسان، بل ترفع من همته وتعينه على ضغوط الحياة، وللأطفال النصيب الوافر من التأثير الإيجابي للهواية على تحصيلهم الدراسي وتكوين شخصيتهم المستقبلية.

الهواية معيار لتفضيل المجتمعات وتمييزها، والحضارات القديمة لا زالت خالدة بفنها وهواياتها الشعبية، أبدا لا تموت أمة كانت الهواية شعارها وديدنها، وحري بالهواية أن ترفع من شأن كل الأمم على اختلافها لأنها تناسب كل الخلائق وتستميل كل الأنفس، وممارستها تقوي أواصر المجتمع وتدفعه إلى التنافس ورفع مستوى التحدي في كل مرة حتى يصل الإبداع أوجه، وكما تحدد الهواية شخصية الفرد فهي تحدد قيمة المجتمع، فقيمة المجتمع من قيمة الهوايات التي يشجعها ويحض عليها.

كمثل اللاعب الذي يبرع في مساحة ضيقة ويصنع الفارق في محيط ضيق بطرق مختلفة تماما عن سابقاتها، كمثل العالم الذي يأتيه قبس من العلم يجعله بتفصيلة صغيرة ينير ظلاما ما كان ليضيء، وكمثل المحقق يصل بخيط رفيع ما لم يصل له جمع ممن سبقوه وينسج به أبعادا جديدة للقضية، وكمثل الثائر دائما ما يجد دربا ولو ضيقا للحرية، وكمثل الطائر يجد رزقه حتى لو لم يبق غيره في البرية، كمثل هؤلاء يجعلك تقول بثقة هناك دائما فسحة للإبداع والتطور، والهواية خير وسيلة تجعلك تدرب نفسك على اللعب في هذه الفسحة الضيقة والإتيان بما لم يأتي به الأولون.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تتباين الفروقات لتظهر مجموعات مختلفة من السلوكيات والشخصيات تحدها نزعتان متطرفتان، تعكسان التشدد في الانطواء والانعزال من جهة والتعاطي المتزايد للتواصل والترابط الاجتماعيين في الجهة المقابلة.

الأكثر قراءة