كن قارئًا قبل أن تكون كاتبًا!

أكثر ما يُثير السخرية هذه الأيام هو أن ترى أحدهم يُؤلّف الكتب وينشرها ثمّ يأتي بكلّ فخرٍ ويقولُ لك: "أنا لم اقرأ خمسة كتب!" ويأتي آخر ليقول: "القراءة ليست مهمة، بإمكانك أن تكون كاتبًا دون أن تُرهِق نفسك بالقراءة وتُفنِي وقتك عليها! ألا ترى ما فعلتُه أنا؟!" 

أوه، يا إلهي! حقًّا؟! إذن من أين لكَ بكلّ هذه المعرفة أيّها العالِم، أيّها الكاتب الفذّ كيف استطعتَ كتابة ثلاث رواياتٍ وأنت لا تستطيع أن تعدّد عناصر الرواية؟! كيف استعطتَ نقد الكتاب الفلاني وأنتَ بينكَ وبين النقد بلاد لا يعلم بها إلّا القارئ الذي يُبحِر في لُجَجِ الكتب لأجل المعرفة؟!

إنّ الكثير من أمثال هؤلاء يعتبرون القراءة شيء غير أساسيّ ليكون المرء كاتبًا، وينظرون إليها على أنّها تعدّ فعلًا منفصلًا بشكل تامّ عن التأليف والكتابة، كيف لا وقد غدونا أمة تحتوي على الكُتّاب ضعفيّ من ما تحويه من القرّاء؟!

إنّ إقصاء القراءة عن حياتنا ونفي دورها وأثرها على الكاتب أو المؤلف لهُوَ نوعٌ من الغباء في الشخص الذي يقول بهذا القول من جهة، واستخفافٌ أو بالمعنى الأدق جهلٌ لدور القراءة وما تقدّمه للشخص وتؤسّسه من هيكليّة أساسية يبنى عليها ما بعدها.

الاستخفاف بالقراءة وشأنها يعني بدوره الاستخفاف بالقارئ، الشيء الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى تقديم أدبٍ ركيك، يحطُّ من قيمة الأدب ويستهين بعقل القارئ والمتلقي في آن

ألمْ ترَ أنّ القراءة كانت أولى الأشياء التي حثَّت عليها التعاليم السماويّة، حين قال جبريل لمحمد "اقرأ" فيجيبهُ محمد "ما أنا بقارئ" فيكرر الأمر مرة أخرى "اقرأ" فيعيد محمدًا نفس الجواب ليكرّر جبريل دعوته للقراءة حاثًّا الرسول عليها ومُلزِمًا له فيها، بقوله "اقرأ باسمِ ربِّكَ الذي خَلَق" لتكون القراءة بذلك أوّل فعل حثَّت عليه التعاليم السماوية، ولكَ أن تُدرك أهمية القراءة وقيمتها بعد تشريعها وجعلِها أوّل الأوامر الربّانيّة التي دعا إليها الرسول. 

ثمّ يأتي أحمقٌ في هذه الأيام ويقول لك: "لا داعِ للقراءة، القراءة ليست بهذه الأهميّة"، ويأتي كاتبٌ آخر يقول: "أستطيع التأليف والكتابة دون أن اقرأ!" إنّ أشد ما نحتاج إليه هذه الأيام هو دعوة عامّة للقراءة لأجلِ القراءة ذاتها، لأجل المعرفة، لا لأجل أن يتبعها تأليف كتب لن يكون أكثر من إعادة صياغة للأفكار التي قرأها المؤلف قُبَيل شُروعه في الكتابة. 

إنّنا بحاجة لمجتمعٍ قارئٍ لا كاتب، فما قيمة ما يُكتب إذا كان لا يؤثر في القرّاء، أو لا يقدّم لهم جديدًا؟! ثم إذا صار الجميع كاتبًا فمن سيقرأ ما يُكتب؟! إنّنا نُعاني من أزمة كُتّاب تفوق أزمة السير في شوارع القاهرة بعشر مرات!! فالكلّ يكتب ويُؤلِّف، وينقّح، وينقد، ويطبع، ويُوقِّع الكتب، ويقيم الندوات الثقافية، ولا يقرأ من المجتمع إلا القلة القليلة، ليتفوّق بذلك الفعل الأول وتبعاته المتتالية على الفعل الأخير بنسبة ملحوظة.

القراءة تؤسّس لما بعدها من الأفعال، سواءً أكانت أفعالًا علميّة أو عمليّة أو أدبيّة تصبُّ في بحر الكتابة والتأليف، من هنا يُمكنني أن أعتبرَ القراءة والكتابة فعلين مُتلازمين، يسيران في اتجاهين متوازيين، فالمرء قد يكتب، ويكتب، ويكتب إلى أن يظنّ نفسه مُميزًا وأنّه قد أضاف للأدب ما لم يَضِفهُ أحدٌ سواه، واخترع من التشبيهات ما تُذهَل له العقول، يشدِهِ الألباب، فإذا قرأ واطلع على الأدب، وأبحر بين طيّات الكتب كانت الصدمة والصفعة، فإذا به يجد نفسه لم يأتِ بجديدٍ أو فريد، ولم يضف شيئًا مميزًا للأدب، وهنا تكمن الانتكاسة فهل يستمر هذا الكاتب في تأليفه ورصفِه للكلمات أم أنّه يستسلم للواقع الذي صحى عليه من سكرة الحرف!

إن الاستخفاف بالقراءة وشأنها يعني بدوره الاستخفاف بالقارئ، الشيء الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى تقديم أدبٍ ركيك، يحطُّ من قيمة الأدب ويستهين بعقل القارئ والمتلقي في آن، مما يفتح باب الكتابة والتأليف لكل من هبَّ ودبّ، وهذا ما لا تُحمَدُ عُقباه ولا يرجُوه عاقل.

إنّ الأمر يتطلّب منّا أن نحمل شعارًا واحدًا نُنادي به ونسعى إليه في ظلّ العشوائية الأدبيّة التي يتخبّط بها الناس والأدب، هذا الشعار هو "كُن قارئًا قبل أن تكون كاتبًا" استفد من وقتكَ في زيادة حصيلتك المعرفيّة، بدلًا من إهداره في كتابة خربشات أو إنتاج مؤلفاتٍ لن تقدم شيئًا جديدًا للأدب!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

القراءة تمكن الفرد من معرفة نفسه واكتشاف كيانه الداخلي، ومعرفة مشاعر الآخرين والتمييز بينها بهدف إدارتها من أجل حوار إيجابي وفعال مع الآخر، ذلك الحوار الذي يتسم بالجدية.

الأكثر قراءة