الرق والجزية والغنائم.. كيف نقرأ تاريخنا؟

أي قارئ منصف للتاريخ سيجد الفرق شاسعاً بين سلوك المسلمين كأمة وبين سلوك غيرهم من الأمم. إن دخول المغول للبلاد لا يمكن أن يقارن على الإطلاق بتسامح المسلمين عندما فتحوا شرق آسيا، ودخول المسلمين للقدس لا يمكن أن يقارن بدخول الصليبيين لها، وحتى بعد تسعين سنة عندما استردها صلاح الدين لم يرتكب بها أي أفعال كتلك المذابح التي اقترفها الفرنج عندما احتلوها، قارنوا بين دخول المسلمين للأندلس وبين ما فعله الاسبان وكيف أنشؤوا محاكم التفتيش وقتلوا مئات الآلاف من المسلمين، يقول المؤرخ الفرنسي ميشيله Mechelet "خلال عشر سنوات من سقوط غرناطة قتل الاسبان مليون مسلم بأبشع الطرق". (1)

وأما الجدل في مفهوم الجزية، فهي كانت – ولا زالت – عرفاً دولياً بين جميع الأمم والشعوب، ولم يأت الإسلام بسابقة، فلقد فرضها الفرس والرومان على أتباعهم وعبر التاريخ سنجد أن هذا العرف كان موجوداً، ألم تفرض جزية باهظة على الدولة العثمانية بعد هزيمتها المنكرة أمام روسيا عام 1878 أدت لإفلاس الدولة العثمانية؟ ألم يفرض الفونسو الجزية على ملوك الطوائف المسلمين في الأندلس في عهد ضعفهم وتفرقهم؟ ألم يدفع مولاي حسن الجزية للإسبان بعد احتلالهم تونس وارتكابهم مذبحة فيها؟ ألم يفرض الروم الجزية على المسلمين في عهد ضعف الدولة العباسية؟ فلماذا حلال على أعداء المسلمين فرض الجزية وحرام عليهم أن يعاملوهم بالمثل؟ ولماذا ممنوع على الإسلام أن يكون دين قوة، ويفرض شروطه؟!

أكبر دليل على التناقض الصارخ عند دعاة الحضارة والمدنية هو تشريعهم لبيوت الدعارة، وجعل بيوت الدعارة أمراً حضارياً في تلك البلدان رغم أنه انتهاك واسترقاق للمرأة ويجعلها سلعة

وعلى كل حال الجزية الآن ما زالت موجودة ولكن بأسماء جديدة تغلفها أكاذيب الديبلوماسية، ففي هذا العالم الجديد، بمفاهيم الحرية وحقوق الإنسان والعدالة المزعومة، ترامب ومن وراءه أمريكا وكل دول الحضارة المزعومة لن يمسوا السعودية وعرشها بأي سوء طالما أنها تدفع "الجزية" وليست قضية الخاشقجي هي القضية الأخلاقية الأولى التي تظهر زيف دعواتهم ومفاهيمهم، فمن قال إن مفهوم الجزية بمعناه المجرد قد غاب من التاريخ والحاضر؟! المال مقابل الحماية، ادفع أيها الملك، وخفض أسعار النفط وامنحنا الامتيازات وأنت صاغر.

وكذلك في موضوع الغنائم، يتم تقزيم المفهوم التاريخي وتشويهه لحدود سخيفة من قبيل سرقة دجاجة من بيت مدني، أو سرقة براد، لكن سخف هذه النظرة للغنائم مصدرها هؤلاء الذين يعملون كأبواق للدعاية، وأصل الغنائم هو أخذ أسلحة العدو في ساحة المعركة ودروعه ومقتنياته العسكرية وموارده ومؤنه وهذا حق مشروع في عرف كل الحروب عبر التاريخ، وبالتأكيد لن يكون مفهوم الغنائم أن تدخل بيتاً آمناً لمدني لتسرق دجاجاته وحاجياته، وبالتالي فلا غرو أن تقوم فصائل الثورة السورية باغتنام دبابات ورشاشات ثقيلة من نقطة عسكرية معادية، وإلا فهو الغباء بعينه أن تترك ذلك العتاد وترجعه لعدوك حتى لا تجرح مشاعر مرهفي الحس في المقاهي بهذه الغنائم.

ثم سيحدثونك عن الرق والسبي، مع أنه كان نظاماً عالمياً من فجر التاريخ، وجاء الإسلام وقننه لأقصى درجات التقنين، فألغى الإسلام كل أساليب الاسترقاق وخاصة تلك التي كانت مرتبطة بالربا المالي، و حصره بأسرى الحرب، وهذا من نوع التوازن الاستراتيجي مع الأعداء، إذ أنه لم يكن منطقياً إلغاء هذا النظام في الوقت الذي يمارسه الأعداء ضد أسرى المسلمين، ثم إنه جعل كل كفارات الإسلام من الصيام واليمين والظهار وغيرها فجعل عتق الرقاب في المقام الأول فيها، ثم حث على عتق الرقاب ووعد بالثواب الجزيل لذلك، لكن لم يكن على الإطلاق من الحكمة إلغاء الرق بشكل مفاجئ وخاصة أن الأعداء يمارسونه، ناهيك عن ارتباط عجلة الاقتصاد الزراعي والصناعي بهم، إذ أنهم كانوا عصب الاقتصاد العالمي والمحرك له، فكان من الحكمة إلغاءه بالتدريج.

أما موضوع الإماء وملك اليمين، فموضوع السماح بمعاملتهن معاملة الزوجات هو من باب تنظيم حياتهن وضبطها، فلقد كان شائعاً قبل الإسلام أن الزنا مشهور بكثرة في صفوف الإماء، ولذلك عندما بايعت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان مع نساء قريش وقال لهن الرسول الكريم تعاهدنني على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولاتزنين، صاحت هند وقالت أوتزني الحرة يا رسول الله؟ فهذا يدل أن الحرائر كنت يتعففن عن الزنا بينما كان شائعاً في الإماء، ولذلك فإنه من الضروري تنظيم حياتهن، ولكن ضمن شروط وضوابط وضعها الإسلام، فعند تسري مالكها بها تظل مملوكة إلى أن تلد فتصير أم ولد ويعتبر المولود منها حراً، وينسب لأبيه، ولما كان ليس من العدل أن تبقى الأم رقيقة ويكون الولد حراً، فقد حظر الشارع على السيد بيعها والتصرف بها، وأمره أن يكرمها كما يكرم الزوجة الحرة في جميع شؤونها وأن يحسن معاشرتها ومعاملتها، وحكم لها بالحرية التي تستكملها بوفاة مالكها، وقد أباح الله تعالى للرجل أن يتزوج بالأمة من مالكها زواجاً كزواج الحرة، ويتحقق من هذا مصالح عديدة، منها إعفاف الإماء وتنظيم حياتهن الجنسية، وتخفيف الزنا، وإشعارها بأنها امرأة مصونة.

الأمة الإسلامية عبر تاريخها مارست حقها الطبيعي في نشر قيمها وثقافتها عندما كانت في أوج قوتها، لا بل قدمت أروع أمثلة حضارية وعلمية في عصر ازدهارها

وهذه ضوابط لم تكن موجودة في كل بلاد وأمم الأرض، بل كانت فوضى جنسية عارمة بين جميع الإماء في كل الأمم، ثم إن سجل أوروبا وأمريكا في العبودية أسود قائم فملايين الأحرار السود تم استعبادهم من أفريقيا وسوقهم كالبهائم للعمل بشكل قاهر مع بداية اكتشاف الاسبان لأمريكا، ناهيك عن أن ملايين النساء اغتصبن في حروبهم، فالصليبيون اغتصبوا عشرات آلاف النساء في حملاتهم، والإسبان اغتصبوا عشرات آلاف نساء الأندلس المسلمات وسبوهن بدون أي حقوق ولا أي ضوابط، وكان سبي النساء فوضوياً همجياً في تاريخ كل الشعوب وحتى عصور حديثة، فاليابان كانت تجلب النساء قسراً من الشعوب المحتلة الأخرى لجنودها من أجل الترفيه الجنسي، والجيش السوفيتي اغتصب ملايين نساء الألمان في الحرب، وكان ذلك بشكل انتقامي فوضوي همجي، ولا يمكن على الإطلاق جعل ذلك مساوياً للنظام الإسلامي الذي جعل الأمة بمرتبة الزوجة. وأكبر دليل على التناقض الصارخ عند دعاة الحضارة والمدنية هو تشريعهم لبيوت الدعارة، وجعل بيوت الدعارة أمراً حضارياً في تلك البلدان رغم أنه انتهاك واسترقاق للمرأة ويجعلها سلعة، بينما يكتبون لك آلاف السطور ليستحضروا قصة الرق في الإسلام من التاريخ الذي صار ماضياً ليغمزوا على الإسلام.

إن الأمة الإسلامية عبر تاريخها المجيد، نشأت بشكل حضاري وأخلاقي، واستعملت القوة العسكرية بمكانها، وقامت بالفتوحات بشكل متناسب تماماً مع العرف والسياق التاريخي ولم تخرج عنه، لكنها تميزت بأخلاقها، وقد كانت المبادئ العليا "لا تقتلوا امرأة ولا شيخاً ولا طفلاً ولا تقطعوا شجرة" هي المعايير الأخلاقية الأسمى والتي لا يمكنك أن تجدها عند الأمم الأخرى في ذات السياق التاريخي، فكلنا يعلم وحشية جميع الجيوش والأمم الأخرى والتي كانت كل حضاراتها مبينة على الغزو الوحشي وتوسيع مناطق النفوذ، فكانت حملاتها العسكرية كالسيل الجارف تحرق الأخضر والبابس ولنا في المغول والصليبيين والغزو الاسباني لأمريكا خير مثال.

إن كان مفهوم الفتوحات الإسلامية يثير حالة من الهيستيريا الفكرية عند البعض، ليتحولوا إلى شبيحة فكر، فالأمة الإسلامية عبر تاريخها مارست حقها الطبيعي في نشر قيمها وثقافتها عندما كانت في أوج قوتها، لا بل قدمت أروع أمثلة حضارية وعلمية في عصر ازدهارها، فنشرت العلم والحضارة وكانت بغداد والأندلس وقرطبة بالتحديد منارات للعلم، وكان مسجد قرطبة جامعة علمية حقيقة ضمت طلاباً من كل أوروبا، ولو قيض لها أن تستمر دون السقوط العسكري المفجع لحضارة الأندلس لكانت جامعة تضاهي أكسفورد، ولم تكن أكسفورد وغيرها سوى مدارس مسيحية تابعة للكاتدرائية تدرس علوم اللاهوت ثم توسعت في باقي العلوم التي كانت عالة بها على قرطبة والأندلس، لكنها مع الأسف سقطت وأحرق الاسبان 500 ألف مخطوط كتاب في ميدان غرناطة، وهو عدد يفوق كل ما كانت تحويه أوروبا من كتب. "فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب ولا ديناً مثل دينهم" (1) قالها المستشرق غوستاف لوبون وواضح أنه لم يقل ذلك عن عبث بل عن قراءة متأنية ومنصفة.
———————————————————————————————————

المصادر:
(Renaissance 7-135 (1
(2) كتاب حضارة العرب غوستاف لوبون ص630 ترجمة عادل زعيت



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة