"الحركة" الرواية التي تخلد لحركة 20 فبراير في المغرب

يسلط الكاتب المغربي عبد الإله بلقزيز من خلال روايته "الحركة" الضوء على حركة 20 فبراير التي شهدها المغرب سنة 2011، ويتضح هذا بداية من خلال صورة الغلاف التي تصور مظاهرة حاشدة لمجموعة من الشباب، ويتجلى الأمر ثانيا في العنوان "الحركة"، من هذا المنطلق حاول بلقزيز رسم معالم حركة شبابية مغربية تأسست من أجل النضال الديمقراطي، والذي يحمل بين طياته مجموعة من المبادئ التي ينبغي الالتزام بها، بالإضافة إلى رسم مجموعة من الأهداف التي سعت حركة 20 فبراير إلى تحقيقها، وخلد بلقزيز هذه الحركة عن طريق رسم مجموعة من الشخصيات التي قاومت وناضلت من أجل إنجاح هذه الحركة، كما سلط الضوء على الجوانب الاجتماعية والسياسية المرتبطة بهذه الشخصيات، وأبرز كذلك مجموعة من التفاصيل التي تخص شباب الحركة، كما وضح عدة مميزات اتصف بها شباب الحركة. هذه الرواية تؤرخ لحقبة مهمة من تاريخ المغرب، وهي الحقبة التي هدفت بالأساس إلى تغيير عدة أمور تخص البنية الاجتماعية والسياسية في المغرب.

 

انطلق بلقزيز في روايته الحركة من الاستعدادات التي برزت بشكل قوي قبيل 20 فبراير، وحاول أن يتبع بشكل مفصل حياة شخصيات الرواية، قبل وبعد اليوم التاريخي، وذلك من خلال الاجتماعات، والإشكالات التي تؤرق أعضاء الحركة، بالإضافة إلى العلاقات السياسية للحركة، والتشنجات التي تحصل بين أطيافها، دون أن ينسى العلاقات الاجتماعية لكافة الأطراف، والتي حددت وتحدد جانبا مهما من حياتهم وعلاقتهم بالحركة. كما سلط الضوء على الماضي النضالي لعائلات شباب الحركة، وانتماءاتهم السياسية، وركز كثيرا على الانتماء لليسار، والذي عُرف دائما بالنضال من أجل الديمقراطية.

 

أعطى بلقزيز حيزا مهما للعلاقات الاجتماعية في الرواية، ومدى تأثير الانتماء السياسي على مصير هذه العلاقات، كما استعرض الفهم الخاطئ الذي كان يتبناه أنصار الماركسية

تتحدث الرواية حول مجموعة من الشباب يجمع بينهم النضال والاهتمام بالنهج الديمقراطي والانتماء إلى اليسار، كما تجمع بينهم الثقافة والرغبة في الانتقال الديمقراطي، وحاول الكاتب أن يسرد لنا تفاصيل حياة هؤلاء الشباب، وعلاقاتهم العائلية والاجتماعية، ليبرز لنا بوضوح شغفهم بالنضال والثورة من أجل الإصلاح والتغيير، وهذا الشغف يترجمونه بانتمائهم للحركة، وهناك يضعون مبادئ الحركة نصب أعينهم، ومن أجل ذلك يمارسون نوعا من العصيان والتمرد على عائلاتهم، لكنهم في المقابل يجدون تضامنا من طرف بعضهم البعض، ومن طرف أصدقاء آخرين يشاركونهم نفس الاهتمام ونفس الرغبة في التغيير.

 

توغل الكاتب إلى أعماق حركة 20 فبراير، لينقل لنا بعض التفاصيل التي تهم اجتماعاتها، وما تتضمنه هذه الاجتماعات من صراعات وسجالات بين الأعضاء، بعضها بسبب أمور شخصية، وبعضها بسبب قرارات متسرعة دون تشاور تم الإجماع عليه، وسلط الضوء كذلك على ردود أفعال الأعضاء بخصوص هذه القرارات والمواقف التي بدت في بعض الأحيان على أنها لا تمثل الحركة، وهنا ركز على رزانة الأعضاء وما يتميزون به من تعقل في إصدار القرار، كما أبرز الوجه النضالي الذي يجمعهم، ومن خلال ذلك تابع مسار الحركة من خلال تبنيها للفكر النضالي، دون أن ينسى الكاتب التذكير بالوجه العاطفي للعلاقات التي تجمع بين أعضاء الحركة، والذي يلعب دورا بارزا في اتخاذ القرار في بعض الأحيان.

 

حاول بلقزيز أن يضع تعريفا مميزا لحركة 20 فبراير، فاعتبرها بمثابة فعل جماهيري مدني ذي تأثير في حياة الوطن المغربي ومستقبله السياسي، كما أنها بحر واسع يسبح فيها كل من يؤمن بأهدافها وتسع الجميع. هكذا عرّف بلقزيز معنى الحركة، وذلك على لسان أحد قادتها، كما انتقد في نفس الوقت موقع القيادة الذي يمكن أن ينتج عن أمور قد لا تكون في صالح الحركة، وفي هذا الصدد يقول: "إن الشعور الوحيد الذي ينمو في داخل الفرد، ويترسخ حثيثا في وعيه، كلما تمسك بموقع قيادي وهمي، هو أنه ينشئ حزبا سياسيا من مادة خام اجتماعية يوفرها له مثل هذه الحركة الاجتماعية". ويضيف في سياق الحديث عن المسؤولية التي ينبغي الالتزام بها أثناء اختيار النضال: "إذا لم يكن المرء مسؤولا في موقع، فمسؤوليته أمام القضية التي يناضل من أجلها تكفيه كي يشعر بضغط الواجب عليه باستمرار".

 

أعطى بلقزيز حيزا مهما للعلاقات الاجتماعية في الرواية، ومدى تأثير الانتماء السياسي على مصير هذه العلاقات، كما استعرض الفهم الخاطئ الذي كان يتبناه أنصار الماركسية، وتحدث كذلك عن قوة المخزن التي تحيط بكل ما يدور ويروج في الأرجاء، لأن المخزن يعرف كيف يحكم قبضته على الأمور، ونفس الشيء فيما يتعلق بمصير الحركة، فلقد عرف المخزن كيف يخمدها على أساس أنه انصاع لمطالب أنصارها. كما انتقد بلقزيز العناوين الإيديولوجية للأحزاب، واعتبر في نفس السياق أن الحزب الجدير بالوجود هو الذي يملك الطاقات والقدرة على الإنجاز، وانتقد كذلك تعدد الأحزاب، والذي لم ولن يجدي نفعا، ذلك أن السياسة تبقى سياسة، لا عقيدة لها سوى المصلحة العامة.

 

اعتبر بلقزيز أن شجرة الدستور بمثابة طيف واسع من مطالب التغيير الديمقراطي، والتي ينبغي على الحركة أن تسعى إلى تحقيقها، مثل محاربة الفساد ومحاكمة المفسدين، ومحاربة المحسوبية والزبونية

تحدث الكاتب عن العراقيل التي صادفت الحركة وما تلاه من تجاهل إعلامي بدا لبعض أفرادها أنه لم يكن في صالح الحركة، لكن البعض الآخر يؤمن بأن الحركة توجد في وجدان الشعب، ولا تحتاج إلى رعاية إعلامية لكي تبرز إلى الوجود. كما أن الموقع الإلكتروني للحركة كان دليلا قويا لاهتمام الناس بها، وذلك من خلال الزيارات الكثيفة. وهذا التجاهل الاعلامي اتجه إلى جهة مقابلة وهي المتعلقة بمقترحات الأحزاب للتعديلات الدستورية، الشيء الذي لم يكن في صالح الحركة، ولعله نوع من الإنذار بفشلها، وفي نفس الوقت نجاحها بعد أن ساهمت في انطلاق هذه التعديلات الدستورية. لكن هذه المعركة الدستورية لم تنل رضا بعد قادة الحركة رغم أن الدستور حمل بين طياته استجابة لبعض مطالب الحركة، ومطالب القوى الديمقراطية.

 

من بين المكتسبات الدستورية التي اعتبرها بلقزيز نالت رضا الحركة تعبيره عن مطالب قسم عريض من القوى السياسية، ومراجعته لمبدأ السلطة المطلقة، وتمكينه الحكومة ورئيسها من سلطات واسعة، ومأسسته لدور المعارضة وتعظيم حقوقها، وإخضاع السلطة الدينية للنطاق المؤسسي، وإقرار الحقوق الثقافية واللغوية…، لكن في المقابل هناك أشياء لم تنصف الحركة من خلال هذا الدستور كوصف الملكية بالبرلمانية، وتحايله على مطلب استقلال القضاء، وتكريسه لازدواجية السلطة التنفيذية، وهي الأمور التي جعلت الحركة تعتبر أن معارضة هذا الدستور أمر مشروع مبدئيا، لكن عمليا لم يعد الأمر ممكنا، وبالتالي فهذا الدستور لم يحظى بموافقة الحركة لأنه لم ينصفها في مطالبها، ولكن هذا الرفض لن يؤخذ بعين الاعتبار، لأن الحياة السياسية ليست حكرا على الحركة فقط، وهكذا اعتبر بلقزيز على لسان أحد شخصيات الرواية أن هذا الدستور توافقي لأنه توافقت عليه الأحزاب المخزنية. ومن جهة أخرى فقضية الحركة أكبر من مجرد الحصول على دستور ديمقراطي، ولهذا فلا يزال من واجب الحركة النضال من أجل دستور أكثر توازنا وتعبيرا عن إرادة البناء الديمقراطي، وهكذا فالحركة ستظل تناضل من أجل تعديلات جديدة أكثر تجاوبا مع مطالب التغيير، ومع انتظاراتها كحركة.

 

اعتبر بلقزيز أن شجرة الدستور بمثابة طيف واسع من مطالب التغيير الديمقراطي، والتي ينبغي على الحركة أن تسعى إلى تحقيقها، مثل محاربة الفساد ومحاكمة المفسدين، ومحاربة المحسوبية والزبونية، وتفويت الامتيازات الاقتصادية والمالية للأقرباء والأصدقاء، ومحاربة الرشوة واستغلال النفوذ، ثم مقاومة الفوارق الطبقية الفاحشة بين الأثرياء والمعدمين والمنبوذين، ومواجهة آفة البطالة والتهميش الاجتماعي. بالإضافة إلى احترام حقوق الانسان، وحرية الرأي والصحافة، وإقرار نظام للاقتراع الحر والنزيه، وإنهاء ظاهرة السلطة المطلقة واحتكار القرار، وضخ التوازن بين السلطات، ومنح الحكومة ورئيسها سلطة تنفيذية معتبرة…، ولقد اعتبر بلقزيز أن هذه المكتسبات لا غنى عنها لتطوير الحياة السياسية. ومن ناحية أخرى انتقد تحقيق الملكية البرلمانية في مقابل نسيان المسألة الاجتماعية.

 

هكذا إذن سافر بنا الكاتب المغربي عبد الإله بلقزيز إلى خبايا حركة 20 فبراير وما دار فيها من نزاع وصراع ونضال من أجل الديمقراطية والتغيير، وما يرتبط بها من علاقات اجتماعية وسياسية، وذلك ليخلد لذكرى حركة نضالية مغربية حاولت أن تنتقل بالمغرب نحو الديمقراطية، كل ذلك بأسلوب روائي مزج فيه بين التحليل والنقد والأدب، ليعبر لنا في النهاية على أن الحركة بمثابة حركة نضالية تسع الجميع: الراديكالي والمعتدل، الواقعي والرومانسي…، ويسع الجميع أن يقول رأيه فيها بحرية. وأنها إن تخلت عن هذه الروحية، فقدت مبرر وجودها، وتحولت إلى حزب عقائدي مغلق، يشبه بعض حلفائها من الأحزاب والجماعات، بل إلى رديف للمخزن الذي تُعَرّض به في كلامها السياسي.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

راوية الموريسكي استطاعت أن تضطلع بمهمة توضيح العوامل، الأسباب، الظروف، والحيثيات التي جعلت الإنسان الموريسكي والأمازيغي يعيشان حالة من التيه الهوياتي خصوصا في جوانب الانتماء الديني والجغرافي والأسري والاجتماعي.

الأكثر قراءة