البحث العلمي في تونس.. بين الواقع والمأمول

An academic researcher of the Faculty of Medicine works in a laboratory at the Paris-Sud University in Le Kremlin-Bicetre, France, March 28, 2017. REUTERS/Benoit Tessier

في ظل واقع سياسي وأمني واقتصادي متحرك جدا، وفي فترة انتقال ديمقراطي حساسة ودقيقة. تتشابك الملفات وتتداخل ويصعب على الملاحظ ترتيب الأولويات. فتونس تشهد من 2011 انتقالا سلسا عموما من نظام دكتاتوري أحادي إلى نظام ديمقراطي تعددي تكون فيه السلطة للشعب. وفي ظل هذه الحركية السريعة، يخفت صوت ملف البحث العلمي والساهرين عليه من طلبة وباحثين وأساتذة ودكاترة. فبين الأجندات الكثيرة التي تطرح على الطاولة بين الفينة والأخرى، لا نجد في أي صفحة أو سطر موضوع البحث العلمي والقيمة المضافة. ويمكن أن نعزو هذا إلى اشتغال الجميع على المواضيع اليومية والمستعجلة، مما لا يفسح مجالا لتفكير استشرافي حقيقي يبحث عن حلول للمستقبل، على المدى المتوسط والبعيد.

لكن البحث العلمي والابتكار، قد يكون العصا السحرية التي تنتشل البلاد من براثن الخصاصة والتبعية -خاصة في دولة مجالها الجغرافي محدود ومواردها الحيوية شحيحة مما بتطلب عبقرية لحسن إدارة هذه العوامل وتطويعها في سبيل الرقي بهذا البلد وأهله-إذا ما وضع هذا الموضوع بجدية على أجندة صناع القرار في تونس وبعيدا عن المهاترات الأيديولوجية التي تسببت في ضياع سنوات من عمر الثورة في نقاشات بيزنطية بينما تقبع المواضيع الحقيقية على الرف.

لا يبدو صناع القرار وحتى بقية مكونات المشهد الحزبي والمجتمعي واعين بخطورة موضوع البحث العلمي الذي يصنف في الدول المتقدمة ملفا مرتبطا بالأمن القومي

المتأمل في وضع البحث العلمي يلاحظ من الوهلة الأولى ضعفا فادحا في الموارد المخصصة له مقارنة بالدول المتقدمة وسريعة النمو، فنسبة موازنة البحث العلمي في تونس من موازنة الدولة العامة لا تتجاوز في أحسن حالاتها النصف نقطة مئوية. وهو رقم صادم ومحير، لكنه مفهوم لعدة اعتبارات. فالنظام السابق كان يخشى بوضوح من أي عقل يستطيع التفكير خارج المربع وإيجاد حلول مبتكرة بعقلية بوليسية بدائية تنفر من الكفاءات وتعتمد الولاءات لتأبيد سلطة الفرد وحاشيته. مما ضيع على تونس سنوات عدة، استثمر فيها "بن علي" في العصا والأجهزة القمعية والأذرع الجاسوسية لخنق المعارضين والأحرار، وأهمل شريانا حيويا وحياتيا لضمان مستقبل كريم للشعب التونسي. وحتى الأبحاث التي كانت تنجز، كانت تلقى في الرفوف أو تحرق في مزابل الكليات والمخابر بعد مدة لإيجاد فضاء يتسع بحوث مقبورة جديدة. كما أن النظام الجامعي التونسي الهجين عن النظام الفرنسي لا يشجع على البحث العلمي بل يعلم الطالب عادات سيئة جدا ولا يعدو أن يكون نظاما إلقائيا إنشائيا يعتمد على الحفظ والإملاء بغباء، مما أنتج جيلا كسولا يبحث عن الرزق دون أدنى جهد، ومما دفع ألاف العقول التونسية المبدعة إلى الهجرة نحو أوروبا أو أمريكا الشمالية أو حتى نمور آسيا وهناك حازت هذه الكفاءات التقدير اللازم وحظيت بالإمكانيات الضرورية للبحث والابتكار والتطوير ووظفت الدول المتقدمة التونسيين في سبيل مزيد تكريس تقدمها الكبير في مجالات العلوم والتكنولوجيا وحتى العلوم الإنسانية. بينما قبعت تونس في المؤخرة رغم الشعارات الرنانة التي تفتخر باستثمارنا في العنصر البشري والعقول.

 

وحتى مشاريع التخرج التي يعدها الطلبة إجباريا لحوز الشهادة الجامعية، لا تجد صدى على أرض الواقع ولا تتبناها الشركات والمؤسسات لضمور الفضاء الاقتصادي التونسي وغياب ثقافة المؤسسة والمبادرة الخاصة مما يجعل الطالب المتخرج يهرول نحو الإدارة التونسية لضمان مقعد وثير ومكتب ومرتب شهري قار وترقية الية ليواصل حياته رقما من الأرقام على دفاتر الضمان الاجتماعي والبنوك. المشكل إذن في العمق مشكل مرتبط بتكوين العقل التونسي وبنيته في السنوات الستين الفارطة، تحت وطأة أنظمة شبه عسكرية قمعية وفي ظل سياسات خاطئة تسببت في انهيار النسيج الاقتصادي مما جعل وجود مؤسسات كبرى قادرة على تبني بحوث وتحويلها إلى حقيقة أمرا نادر الوقوع. والوضع ينبئ بالأسوأ في المستقبل خاصة مع النسق التصاعدي لهجرة الأدمغة التونسية والكفاءات الوطنية نحو الخارج. ولا يبدو صناع القرار وحتى بقية مكونات المشهد الحزبي والمجتمعي واعين بخطورة موضوع البحث العلمي الذي يصنف في الدول المتقدمة ملفا مرتبطا بالأمن القومي. لكن بعض الأصوات الخجولة في البرلمان وداخل الأحزاب بدأت تحاول إثارة الموضوع والدفع به للواجهة وعيا منها بمحورية البحث العلمي في المعركة الحقيقية ضد الفقر وشح الموارد.

 

وفي هذا السياق أطلق "شباب النهضة بالجامعة" الذراع الطلابي للنهضة مبادرة وطنية للتحسيس بأهمية البحث العلمي وضرورة وضع الموضوع في أعلى سلم الأولويات في سبيل تحقيق النماء والرخاء الذي يحلم به كل تونسي وتونسية، وفي انتظار تحرك أوسع وأكثر جرأة من جميع المشارب السياسية والمجتمعية لفرض ملف البحث العلمي على أجندات مختلف الفاعلين في المشهد التونسي، يبقى البحث العلمي العنصر المفقود في توليفة علاج مشاكل تونس وأزماتها.