الإرهاب.. حرام على داعش.. حلال على الدولة!

بدا الرعب يقطر من عينيها ثم اقتربت لتهمس في أذني يبدو أنه إرهابي من داعش ماذا نفعل، أمسكت يدها بإشفاق وأومأت بوجهي مطمئنا وقلت اهدئي لا تقلقي وفي قرارة نفسي كنت أعذرها كيف لا وسمعها وبصرها يُقحم فيهما يوميا نفس الصورة النمطية من وسائل الإعلام لنفس الإرهابي عفوا للإرهاب الإسلامي المتخلف والشرير يجسده ملتح متوحش يقطع الرؤوس بسكين مثلمة.

 

حقيقة لا أدري أيهما أكثر إنسانية أن أذبح بسكين ثمنها دولار أم أن أكون ضحية لصاروخ حديث ثمنه ربع مليون دولار، فصل الرأس عن الجسد مشهد مفزع وهمجي لكن هل الصاروخ متحضر وجميل حين يحيل الإنسان إلى أشلاء بلمح البصر وبما أني سأتحول لقطعٍ صغيرة فربما لن أشعر بالفزع مطلقاً وسيكون موتي رحيماً، لماذا يكون حنوناً ومتحضراً من يقتل المئات والآلاف بضغطة زر هل لأنه يرتدي بزة رسمية أم لأنه يطير على متن طائرة حديثة أو يبحر حاملة طائرات بينما هو إرهابي كبير من يقطع الرؤوس بالسكين.

 

الدول الحديثة تملك إمكانات أسطورية من الأسلحة والأموال والإعلام وأجهزة الأمن المنظمة التي تخترق كل الطبقات المجتمع

ربما هي موضة قديمة أن نتحدث عن انقلاب المعايير في عصر العولمة رغم أننا نجد الأرقام تخبرنا أن كل من قتلته التنظيمات الإرهابية في العالم لا يعادل وحداً بالألف مما فعلته الدول الحديثة راعية الديمقراطية والحريات حين قتلت الملايين من الناس باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان كفعل الولايات المتحدة في العراق أو الأنظمة الشمولية في وأد الربيع العربي.

 

الأرقام تتحدث

ناهيك عن أن التنظيمات الإرهابية هي نتاج أقبية المخابرات الدولية وإحدى أدواتها فإن ما قتلته التنظيمات الإرهابية عبر العصور لا يتجاوز ال100 ألف ضحية وكأمثلة نقول كانت ضحايا التنظيمات الإرهابية بين الألفين للثلاثة في العام ففي عام 2000 بلغت الضحايا 3361 شخص وحصل انخفاض بين أعوام 2007 لعام 2011 ليعود للارتفاع عام 2012 ويبلغ 11133 ضحية ويبلغ ذروته عام 2013 بضحايا يبلغون 17958 ضحية.

 

بينما تجاوزت ضحايا الإرهاب الحكومي الملايين عبر العصور ونذكر 20 مليون ضحية في الحرب العالمية الأولى و59 مليون في الثانية ومئات الملايين في قارات أمريكا وآسيا وأفريقيا ضحايا لسيطرة الدول الأوربية على العالم وحديثاً لدينا أكثر من مليون ضحية نتيجة غزو الولايات المتحدة للعراق ومليون ضحية للمجرم بشار الأسد وعدة ملايين ضحايا لتوسع روسيا في أفغانستان والشيشان وسورية أما الصين وروسيا فهما تبيدان قوميات بأكملها عشرات ملايين الضحايا تهجيراً وقتلاً وتغيباً في سجونهما كما يحصل للروهينغا والتركستان والشياشان وهو نفس ما تفعله إيران للقوميات التي تحتلها كالعرب والبلوش والأكراد.

 

لماذا إرهاب الدول أعظم

الدول الحديثة تملك إمكانات أسطورية من الأسلحة والأموال والإعلام وأجهزة الأمن المنظمة التي تخترق كل الطبقات المجتمع مسلحة بفلسفات إنسانية وطدت المواطن العادي للتنازل عن جزء كبير من حقوقه لصالح الدولة ليحظى بأمنها وحمايتها كما يفترض، كلما ملكت أدوات أكبر زادت قدرتك على الفعل خاصة حين تكون برأس الهرم فبضغطة زر أو بحركة من لسانك تلقي قنابل دمار شامل أو تآمر جيشك باقتحام مدينة أو دولة ما ولن تعدم وسيلة لتبرير ما بعدها من أجساد مقطعة وأحلام موؤده طالما أنا الدولة والدولة أنا وسيجد جنودك مبرراتهم لإطاعتك فهم يقاومون الإرهاب ويحفظون الدولة.

 

فعالية الحرب الحديثة لا يمكن مقارنتها بمعارك السلاح الأبيض فقديماً كانت الحرب تعني أن أقطع يد خصمي أو أبقر بطنه أو أجرحه جرحا بليغا ليموت وهذا بالتأكيد قاس وغير إنساني أما حروبنا الآن فهي أرحم إنني فقط أضغط الزر أو الزناد وبعدها تذهب الطلقة أو القذيفة بعيداً ربما تفجر الرأس أو تمزق الجسد لا يهم فانا لا أعرف ما سيحصل بالضبط بل على العكس إنا مسكين لأني لا أستمتع بمشاهدة ضحيتي تتألم أمامي ولن أشبع ساديتي رغم جبروتي وقدرتي على قتل العشرات والمئات وربما أكثر بضربة واحدة.

 

تعريف إرهاب الدولة

الأصل في الإنسانية هي حرية الاختيار وعكسها هو القسر أو الإجبار وعندما يأخذ الإجبار وسائل غير إنسانية أو عنفيه يمكن أن نسميه إرهاباً ومن المفارقات المؤلمة أننا سمعنا تكراراً دعوات بعضها من حكام طغاة تنادي بتعريف عالمي للإرهاب ولكن بلا جدوى ليبقى الحال كما تحبه القوى الكبرى تطبقه أين تشاء وكيفما تشاء وفق مصالحها وسياساتها.

 

يتغول الحكام على شعوبهم إذ أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة فيعطلون القوانين لأنهم لا يستطيعون العيش إلا في ظل حالة الطوارئ

ربما يكون منطقياً أن نبدأ بتعريف مبسط لإرهاب الدولة والذي هو نشر دولة ما للذعر والخوف في نفوس الآخرين عبر أفعال وسياسات منوعة لتحقيق الغايات الخاصة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وجغرافيا لحكام تلك الدولة.

 

مظاهر إرهاب الدولة

باعتبار الإرهاب يمكن أن يكون عسكرياً أو اقتصادياً أو ثقافيا وغير ذلك فيمكن أن نقسم الإرهاب الدولي قسمين رئيسيين حسب مكان استخدامه كما يلي:

– الإرهاب الداخلي

حيث يتغول الحكام على شعوبهم إذ أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة فيعطلون القوانين لأنهم لا يستطيعون العيش إلا في ظل حالة الطوارئ وللمفارقة فهم يستخدمون إمكانيات دولهم في إذلال شعوبهم قتلاً وسجناً وسرقةً وطمساً لتاريخ وقيم شعوبهم وتغيب التعليم الحقيقي الذي ينهض بالأمم لتحقيق مآرب رخيصة لهم ولأتباعهم وأحياناً لقوى خارجية تدعمهم وللسخرية فإن هؤلاء الحكام المجرمين تجدهم أذلاء أمام الدول الأخرى القوية يستمدون قوتهم من دعم تلك الدول لهم نتيجة لما يقدمون من قرابين لسادتهم على حساب شعوبهم

 

والمفارقة الأكثر إيلاماً أن التقدم التقني قد جعل الجرائم المخفية تظهر للعلن أمام عموم الناس مما أسقط أقنعة لدول تتغنى بالقيم الإنسانية والديمقراطية فسقط هؤلاء أمام الشعوب والأمثلة كثيرة تشمل الغالبية المطلقة من دكتاتوري دول العالم الثالث المدعومين من الغرب المتقدم.

 

-الإرهاب الخارجي

تمارسه الدول الكبرى على الدول الأضعف في كل الميادين السياسية والاقتصادية وغيرها لتحقيق مصالحها من فرض عملات بلا رصيد أو لتخفيض أسعار المواد الأولية وإجبار الدول الصغيرة على الخضوع لهيمنة الشركات الكبرى وفتح أسواقها وبيع قطاعها العام لصالح الشركات الاحتكارية العالمية.

 

أما الإرهاب العسكري فهو الأوضح ونتائجه أكثر دموية ويحصل حينما يريدون كسر إرادة الشعوب بشكل كامل كما حصل في الاستعمار الأوربي للعالم أو الأمريكي لفيتنام والعراق أو الروسي للشيشان ودول الاتحاد السوفيتي السابق ثم أوكرانيا حديثا أو الصين مع الدول المجاورة لها أما بالنسبة لإسرائيل فما هي إلى حلقة من حلقات الاستعمار الغربي لمنطقتنا.

 

استطاعت الشعوب الغربية أن تصل إلى كبح نزوات حكامها عبر بمبادئ فصل السلطات وتداولها رغم أثمان باهظة دفعتها الشعوب في الحربين العالميتين

وسواء كان اعتداء السلطة على شعبها أو على الشعوب الأخرى فهو إرهاب للدولة إلا أن يكون دفاعاً مشروعاً عن النفس أو الوطن فهو مشروع لكن له ضوابطه وقواعده الموجودة في الشرائع الدولية ومنها قوانين النزاعات المسلحة.

 

العقد الاجتماعي وسفك الدماء

منذ القدم انبرى الفلاسفة والمفكرين باختلاف جنسياتهم وزمنهم لقوننة السلطة بغية منع سفك الدماء في سبيلها ووضع ضوابط لها وقد وضع سقراط في كتابه السياسة فكرة البرلمان الضابط لإيقاع الحاكم ونادى ابن خلدون بضرورة وجود سلطة سياسية واجتماعية وبضرورة وجود ضوابط بين الحاكم والمحكوم تنظم العلاقة بينهما.

 

وشارك توماس هوبز الإنكليزي ثم جون لوك الذي رفض تسميتها بالعقد الاجتماعي وسماها بالوديعة أي أن الحكم أمانة الشعب عند الحاكم بما يشبه تعبير الخليفة الراشدي أبو بكر الصديق في خطبة الخلافة والتي لخصت النظرة الإسلامية للعقد الاجتماعي بقوله أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، وليلقي الألمان بدورهم عبر مفكرهم صموئيل بوفندروف ثم ليقوم المفكر الفرنسي جان جاك روسو بالتفصيل فيها في كتابه الشهير العقد الاجتماعي.

 

ورغم الاختلاف في آراء جميع المفكرين والفلاسفة إلا أنهم تشاركوا في فكرة وضع ضوابط للعلاقة بين السلطة وبين الشعب ورغم أن بعضهم كهوبز وروسو أرادوا أن تكون سلطة الحاكم لا محدودة فبرأي روسو لا يجوز فصل السلطات كي تستقيم أمور الدولة وشبه ذلك بأن يحكم الإنسان جسده وأعضائه بحرية لتستقيم حياته ولكن أحداً منهم لم يجز التعسف في استعمال السلطة وأن يدمر الحاكم جسده المتمثل بالشعب كما يفعل حكامنا اليوم.

 

وإلى حد كبير استطاعت الشعوب الغربية أن تصل إلى كبح نزوات حكامها عبر بمبادئ فصل السلطات وتداولها رغم أثمان باهظة دفعتها الشعوب في الحربين العالميتين لكن هل تستطيع مستقبلاً كبح شهوات السيطرة على الدول الأخرى وهل ستستطيع أن تمنع حكوماتها من إرهاب دول العالم الأخرى أم أن قدر البشرية أن تستمر في سفك الدماء إلى نهاية وجودها على الأرض.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة