هواية الاختلاط ورياضة العزلة..

blogs - friends

يلهث البعض خلف فُرص التعارف وخَلق العلاقات وتوسيع دائرة المعارف، فيما يشبه هواية جمع الطوابع البريدية أو الأوراق النقدية القديمة، مكتنزين أكبر قدر من القطع لتنويع تشكيلاتهم ومستمتعين بإضافة عناصر جديدة لإغنائها في كل مرة؛ تكبر مجموعاتهم وتزيد نشوتهم ويدمنون التنقيب أكثر. في المقابل، يستلذ آخرون بالابتعاد عن الناس والانغماس في عالمهم الخاص، مستمتعين بوحدتهم ومرتاحين في عزلتهم، غير آبهين بما يجري خارج قوقعتهم. تتبادر إلى أذهانهم بين الفينة والأخرى تساؤلات عما إذا كانوا أسوياء، واعترافات ترتبط برغبة محتشمة في الاندماج مع الناس.

وحسب درجة وتردد الاختلاط الاجتماعي، تتباين الفروقات لتظهر مجموعات مختلفة من السلوكيات والشخصيات تحدها نزعتان متطرفتان، تعكسان التشدد في الانطواء والانعزال من جهة والتعاطي المتزايد للتواصل والترابط الاجتماعيين في الجهة المقابلة. وبغض النظر عما إذا كان الأصل في هذه الميول نزوعاً فطرياً أو طبيعة مُكتسبة، فإن الواضح أنها تَنتج عن قناعات تدعمها وتترتب عن ممارسات ترسخها أكثر. كما تؤدي إلى تنميط يصعب الجزم فيما إذا كان حُكماً مغلوطاً أو قولبة فعلية لشخصيات مُحِبي العُزلة والميالين إلى الاختلاط.

غالبا ما يتم ربط شخصية الاجتماعيين بالفرح والبهجة.. بالانفتاح الذي يلتصق بانبساطيتهم.. بالمتعة التي يجدونها في الصخب والأشياء الملونة والبراقة.. بالثرثرة التي ترافق حبهم للاختلاط بالناس والتواجد وسط التجمعات وتبادل أطراف الحديث حول كل التفاهات الممكنة.. بالمهارة في فرض الحضور ولفت الانتباه بسهولة.. بالقدرة على خلق مواضيع للحديث في أبسط المواقف وبناء علاقات من خلالها.. بالجرأة في التعبير عن الرأي والتحدث بصوت مرتفع والظهور في العلن.. باللباقة التي تتحول إلى تملق أحياناً.. بالاهتمام بالمظاهر وكثرة الأناقة.. بخوض المغامرات والتجارب الجديدة وعدم الخوف من المخاطر، ثم بالإقبال على الحياة، بشكل عام.

الأمر كله مرتبط بكيفية التعامل مع نقاط ضعف وقوة كل شخصية دون اعتبار الانبساطية كمصدر فخر ولا الانعزالية كمدعاة للخجل

لديهم طاقة لا يترددون في استثمارها في العلاقات الانسانية مهما تعددت، ولو باءت كثير منها بالفشل، تُمكنهم من تَتَبُع أخبار من يعرفونهم بشكل مُستمر وربط الاتصالات بهم، عل الدوام والقيام بالزيارات والاستماع للقصص وسرد الأسرار وحل المشاكل ومناقشة الأخطاء وتجاوز التجارب الفاشلة وتقليب الصفحات. أما مُحِبُو العُزلة، فيتم تصويرهم كانطوائيين متقوقعين داخل عالم صغير يخصهم.. لا تُرهبهم فكرة البقاء وحيدين بل أكثر من ذلك يُحبذونها.. يتوارون عن الأنظار ويتخفون قدر المستطاع.. يُعانون مشاكل في معاشرة الناس ويَصُعب عليهم الاختلاط بهم.

كما يصورونهم كمثيرون للشفقة وغير واثقين من أنفسهم، لا يُبالون بالانطباع الذي يتركونه لدى الاخرين ولا يهتمون بما يظنونه بهم.. يُحبون الهدوء ويقضون وقتاً في التأمل.. يَميلُون إلى التشاؤم وكل ما تطبعه السوداوية.. لا تُثيرهم أشياء كثيرة ولا يُعجبهم المرح بشدة.. جديون وعميقون لدرجة تجعلهم تحت ضغوطات نفسية. يتميزون أيضاً بحساسيتهم وتفكيرهم المختلف، يغوصون في أعماق الأشياء ويهتمون بالتمثلات والمعاني التي تتجاوز الأشياء الظاهرية. كما يُركزون على ذواتهم ويحاولون استكشافها والتصالح معها، ويبحثون عن سكينة داخلية لا يجدونها غالباً، ويشغلون عُقولهم باستمرار فيَطرحون الأسئلة ويفترضون الإجابات ويدرسون الاحتمالات ويلتزمون الصمت في معظم الأحيان.

سمات متباينة تجعل الشخصيات الانبساطية والانطوائية مختلفة ومتناقضة، إلا أن لكل منها جانب إيجابي وآخر سلبي، ولو أن التنميط ركز على صفات أكثر من أخرى وجعل التمييز بينهما يقوم على تفضيل شخصية على شخصية وليس التمييز بينهما بإنصاف. فإن كان يتم تقديم الشخصية الاجتماعية كشخصية "حلوة" فإنه يجب تقديم الشخصية الانطوائية كشخصية "راقية" ربما؛ وإن كان لابد من تصوير الانبساطيين كمن يُضيفون المتعة لحياة المحيطين بهم، فإنه يجب تصوير المنعزلين كمن يضفون معنى لحياتهم قبل حياة الاخرين.

ببساطة، لاشي يُثبت حقيقة أن الشخصية الاجتماعية هي الحل المنشود ولا أن الانعزال مُرادف لخلل نفسي بالضرورة، وهذا يعني أيضاً أن إعطاء النصائح للناس والطرق ليتحولوا إلى شخصيات اجتماعية، لا يُلغي إمكانية التركيز على العُزلة كصفة إيجابية ونشر والاستشارات والمقالات حول "كيف تعيش العزلة بطريقة سليمة؟ أو كيف تكون انطوائيا بطريقة مفيدة؟" فإن كان الاختلاط الاجتماعي يبدو كهواية تنم عن موهبة فطرية – وهذا تصور شخصي -؛ فإن الأجدر أن يُعتبر الانعزال كرياضة، تُجّسد تمريناً يتطلب لياقة نفسية ومؤهلات روحية تستلزم الانضباط والاستمرارية لتطويرها ولعيشها بسلام.

فالعزلة ليست تجربة سهلة أكيد، وقد تكون فرصة ذهبية لتفجير طاقات داخلية أو إيجاد حقائق تبعث على الطمأنينة. كما قد تكون مغامرة محفوفة بالمخاطر وتؤدي بمن يخوضها في منعرجات خطيرة، وهذه حقيقة تشمل الاجتماعيين أيضاً، لأنهم بطريقة أخرى يجارون صعوبات من نوع آخر لا يتم تسليط الضوء عليها كما يجب. وبما أنه لا تتم دعوة أصحاب الشخصيات الانبساطية بشكل مبالغ فيه للتحول إلى انطوائيين، فلا داعي لحث الانطوائيين على تغيير شخصياتهم – إن افترضنا أن باستطاعتهم ذلك-، لأن الأمر كله مرتبط بكيفية التعامل مع نقاط ضعف وقوة كل شخصية دون اعتبار الانبساطية كمصدر فخر ولا الانعزالية كمدعاة للخجل.