شعار قسم مدونات

في النهايات وما بعدها..

blogs - beach

في النهاية ينتهي كل شيء، الضحكات تذهب ويبقى صداها، والحب ينتهي ويبقى غصته، المشاعر تنطفئ وتبقى ذكرى، لشيء ما لم يعد موجود. تموت المشاعر التي شعرنا بها، ويذبل الورد، ويجف الماء، وتتشقق الأرض وتنضب السماء، وتُهدم قلاع الحب ويتوقف القلب عن ضخ الدم، ويتخلى الأصدقاء، ويبتعد الأحباب.

في النهاية يذهب كل الناس كأنهم لم يكونوا في الأصل، كل الكلام المعسول والضحكات والوعود المُزيفة بالبقاء، كل هذا يذهب ويترك وراءه درس عظيم وجرح أعظم. في النهاية تتجلى الأخلاق، يظهر معدن الناس الحقيقي، ينكشف الستار، ولا يوجد مكان للملاطفة ولا التملق، يُعذب الصادق ويعيش الجلاد كأن شيئاً لم يكن – لأنه يا صديقي الحياة ليست عادلة أبدًا – العدل هناك عند رب الناس فقط. في النهاية الآدمية سيكون الصوت المُسيطر على الأجواء هو صوت السكوت، وسينادي بأعلى صوته، ألم أخبرك أنك في النهاية ستكون وحيد؟ وأنت راهنت على ذلك لكنك خسرت الرهان، وتنظر الوِحدة إليكَ ضاحكةً، وتقول "عُدت مرة أخرى أيها الوحيد".
 

ما نظنها النهاية هي ليست كذلك إنما هي بداية لحقبة أخرى بخبرات أكثر، تكون فيها أكثر وعي وأكثر تفتح

في النهاية كل شيء سَيَفنى، كل شيء سيذهب، حتى جِلدك سيتخلى عن أصابعك وعن جسدك فأَعِد العدة، حتى لا تأتيك بغته. في هذا العالم المزري المكتوب عليه الزوال إلى آخر آدمي، لا نستطيع أن نَترُك فيه أكثر مِن سُمعَتنا، لا نترك فيه إلا أثرًا طيباً. هذه هي النهاية، ولكن بذلك تنتهي حياتنا؟ الإجابة لا. نهاية قصة، هي إيذانًا ببداية قصة أخرى، تقول لأحدهم وداعًا وبعد فترة انتقالية تقول لآخر مرحبًا، لكن قبل أن تقول مرحبًا لآخر، إقرأ كلامي الآتي بتمعن.

كُن كالأرض، بمعنى ألا تتكئ على أي أحد، أن تكون قائم بمفردك أولاً، حضور الناس يُسعدك، وغيابهم لا يفرق معك، أن تصنع لنفسك أجنحة وتُحلق عالياً ولا تُضيرك وحدك. كن كالقمر، جميلًا بعيوبه، لا يُخفيها، ففي أول الشهر يكون هلالًا ولا يبرأ من هذا، وما يلبس إلا أن يكون بدرًا، هذا لأنه أفتخر قِبلًا أنه هلال، ومع العلم هذه ليست دعوة للتفاخر بالعيوب، هذه دعوة للاعتراف بها والعمل على إصلاحها. كن كالماء، تتشكل كما الإناء الموضوع فيه، كالطفل إذا امّتُدحَ ضحك، وإذا زُم ضحَك، وهذا ذروة الإخلاص، لا يغرنك المديح ولا يؤثر بكَ الزم. كن كالقطار لا ينتظر أحد، من يحترمه يُكمل معه ومن لا يَحترم نمضي دون أن ننظر وراءنا.

كن كالسماء، مرفوعة دون عمد، تجود علينا بالماء، اي أنك لا تنتظر العون من أحد كن قائمًا بذاتك، وكن جوادًا إن اُتيح لك ذلك. نهاية الأشياء، تُضعف مناعتنا، ونكون أكثر عُرضة للأحزان، ولضيق أفقنا نستسلم للحزن، حتى ونبحث عن كل شيء حزين، أغنية حزينة، رواية حزينة، قصيدة حزينة، وكأن هذه الأشياء هي مواساة لحزنك. وحينما تتخطى هذه الفترة، ستجد أنكَ فادحتَ في الحزن وأضعت وقت كان من الممكن أن تستغله، ولكنك آثرت أن تعيش دور الضحية، كمُخدر قوي، وجعلتَ حزنك على فقدان شيء واحد أو نهاية قصة هو انتهاء للكون، ولكنكَ كنت مخطئا وانا آسف لإخبارك هذا.

مقصدي من المقال أني أردتُ أن أخبركم أن ما نظنها النهاية هي ليست كذلك إنما هي بداية لحقبة أخرى بخبرات أكثر، تكون فيها أكثر وعي وأكثر تفتح، وتعي أن كل شيء قابل للخُسران، حتى أنت إن لم تحافظ على نفسك ستخسرها وذلك وللأسف سيكون هذا هو الخسران المُبين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.