عن ذاك الحب الأعظم

سألتُ أمي هذا الصباح سؤالاً لم أتجرأ يوماً أن أطرحه عليها، سألتها ما الحب؟ "إن كنت تسألينني عن الحُب في تعريفه السطحي الذي يعمل به جيل اليوم، فهو تلك العاطفة التي تَشُد الرجل والمرأة إلى بعضيهما البعض" أجابتني وهي تصنع قهوتنا الصباحية، غَيرتُ صيغة السؤال قائلة: لا لا، أقصد ما هو الحُب – المحبة – بالنسبة لك؟  أخبريني عن تعريفك أنت له، فالوجدانيات كل يعرفها بما يناسبه.

ساد الصمت لبضع ثوان ثم أخبرتني: "لا يمكنني تفسيره لك فأنا أشعر به فقط، شعرت به في كل مرة بعد أن وضعت فيها طفلاً صغيراً يخرج من أحشائي إلى الحياة، شعرت به حينما كان والديّ يزورني، وحين كنا نجتمع مبسوطين فرحين. شعرت به في كل تلك المرات التي نظفت فيها البيت عن آخره وجلست أنعم بنقائه ودفئه معكم.." ثم ابتسمت واحمرت وجنتاها، وضعت القهوة على المائدة وجلست تُنادي البقية لتناول الفطور. استرسلت أفكر في الأمر، تُرى كيف يمكننا تعريف هذه العاطفة النبيلة؟ أيعقل أن تكون بذاك الابتذال والصبيانية الذين ألتمسهما في محيطي دائما؟

الحُب إذن بسيط وعميق تماماً كما قالت، أشمل من أن نُقزمه ونحجمه في وضعيات محددة، وأعظم من أن نعرّفه بل نستشعره فقط،

أكيد أن العاطفة التي تربط بين الجنسين حالة من الحُب، ولكن لا يعقل أن يكون الحُب كله يتلخص فيها فالحب كما قالت أمي أعمق من فهمنا السطحي له، حتى أنها لم تعرفه، شعرت به فقط. هذه القديسة التي أفنت عمرها في تربيتنا وخدمتنا بكل حب لا يُمكن أن تُخطئ. هذه العظيمة التي أطعمتنا وكستنا حُبا هي الحُب عينه ولا أحد أحق منها بتلقينه، فلا أجود من عِلم يكتسبه المرء من منبعه وأصله، وأمي هي الأصل والينبوع. هي امرأة أُميّة ولكنها ليست جاهلة، عالمة مختصة بفنون الاهتمام، دكتورة في الشؤون التربوية، طبيبة محترفة في الاسعافات الأولية، مستشارة نفسية تعالج جميع الأمراض بابتسامة ودعاء.. كل هذا ولم تخطوا خطوة إلى المدرسة لأنها هي المدرسة.

الحُب إذن بسيط وعميق تماماً كما قالت، أشمل من أن نُقزمه ونحجمه في وضعيات محددة، وأعظم من أن نعرّفه بل نستشعره فقط، وقد حدث بالفعل أن رأيت الحُب واستشعرته، واضحاً خفاقاً بهياً نقياً لا تشوبه شائبة. عرفته منذ الوهلة الأولى وكأنني على عهد به مذ قُذفتُ إلى دهاليز الدنيا، لا يُغيره الزمن كالبشر، يبقى كما هو ولا ينتقص مثقال حبة خردل، والأجمل من هذا كله أن أريجه يفوح أينما أزهر، قد يختلف الناس في تعريفه، ولكن الجميع يشعر به بنفس الطريقة.

الحب شيخ كبير في السن، هزيل بشوش شاءت الأقدار أن أجلس وإياه على مقعد واحد ذات حافلة، ورغم أنه من عِرق وجيل غير عِرقي وجيلي يفتح لي صدره ويعطيني دروساً في الحياة. يُخبرني عما يُقلق راحته ويُعكر صفوه، ويمد وجدانه إلى براكيني فتفيض ونبكي سوياً. غريبين مختلفين على متن حافلة تعج بالضاحكين، ويُغادر باسماً ماسحاً دمعه، مُتبِعاً إياي سيلاً من الدعوات، أُجزم أنها لازالت تُعبّد كل طريق أسلكه وتلفني بالرحمة إلى يومنا هذا.

الحب أستاذ جامعي على حافة التقاعد، زَين الشيب رأسه ونورت الحكمة محياه. يدخل القاعة باسماً، في جو مُظلم سودته أبخرة اليأس واللاجدوى. في وقت كنا فيها فرائس سهلة لمخالب الفشل والإحباط، تتقاذفنا أمواج الضياع على شطآن وطن يحتضر، وعلى غير عادة الأساتذة لا يُعرّف بنفسه بل يعرّفنا بأنفسنا. يُخبرنا أننا أكثر الناس حظاً على وجه الأرض، فنضحك منزعجين مما اعتقدنا أنه مزحة ثقيلة، ولكنه يُكمل مُبتسماً أننا كذلك حقاً لا مجازاً، لأننا نملك أعظم فرصتين بين أيدينا، اللغة الإنجليزية التي هي نافذة مفتوحة على مصراعيها نحو العالم بأسره، والرسالة، رسالة الإسلام الخيّرة النيرة، فيقع قوله في قلبي كالغيث أحمله معي وأقطع به أرجل اليأس كلما تربص بي.

الحب جدتي، تهب لصلاة الضُحى فأختلس النظر إليها من فتحة الباب وأرهف السمع، فأسمعها تعد أولادها وأحفادها واحداً تلو الآخر تدعوا لهم بالخير والهدى والصلح والرزق والعلم، ولا تبرح مكانها حتى تعد معهم كل فرد في القرية وتدعوا للمظلومين في كافة بقاع الأرض. ثم تخرج إليّ ضاحكة من فعلتي وتشد على يدي بيدها المجعدة الدافئة وتمشي بي إلى باب الدار لتُعلّمني درساً في الأخلاق والقيم بحكاية من حكاياتها الشيقة، درساً لن تعلمني إياه مدارس الحياة مجتمعة كما فعلت جدتي، فتُنشد لي "إزران" وأفهم من كمية الحُب اللامعقولة التي تبثها تجاعيد وجهها البهي وتغمرني، أن هذا العالم على سواده قابل للحب والأمل مهما بدى عكس ذلك.

الحب الأعظم كل هؤلاء وكل أولئك الذين يبثون الحكمة والنور في الآخرين، يسقون بذور الخير فيهم بعذب الأمل.
 

الحب أبي، يُعلمني أن الحرية مسؤولية عظمى، يعلمني الطيران ويفلتني واثقاً تماماً أنني لن أخذله، فيفخر بإنجازاتي الصغيرة ويتباهى بي أمام الجميع. معلماً إياهم أن الأنثى جديرة بالثقة وتستحق أن تتعلم وتحلم وتركض خلف أمنياتها، وأي نتيجة معكوسة تعني أنك لم تعلمها الصواب والخطأ كما يجب، فالأنثى كالذكر بيئة خصبة تحصد منها ما زرعت.  

كل الحُب أبي، هذا العظيم الذي صنعني وأوقد في جوفي شُعلة القيم والإنسانية والعلم، شعلة أحملها بين أضلعي لا تنطفئ أبدا، يناقشني في السياسة والعلم والفكر، ويُريني العالم، يعرفني على قضايا المظلومين والبسطاء والمنسيين، فنحزن سوياً ونحن نشاهد الناس تذوق ويلات الحروب وتبلل الدموع خدينا وحلوقنا الصائمة ونحن نرى ما يصنع الطغاة بغزة في رمضان 2014. يفتح أمامي أُفقاً واسعاً لأدرك أن العالم ليس صغيراً أبداً، وليس أنا فقط وقوقعتي، بل أضخم من ذلك بكثير وبحاجة لمن يحملون هَم الأمة على عاتقهم ويتحركون لتبديد الظلام.

الحب الأعظم كل هؤلاء وكل أولئك الذين يبثون الحكمة والنور في الآخرين، يسقون بذور الخير فيهم بعذب الأمل. هو كل أولئك الذين يؤمنون أن الخير غالب لا محالة، الحُب أنا وأنت، أحياء نحمل في أنفاسنا أمل التغيير، تلك النوايا التي تهرول لتساعد الآخرين ولو بكلمة طيبة. تلك الخاطرة النقية التي تجعلك تتجاوز بتفكيرك حدود الأنا، الحُب كما قال غازي القصيبي "الحب الحقيقي هو الذي يربطك بالمعضلة الإنسانية، بالمأساة البشرية. هو الذي يشد دموعك إلى دموع كل طفلة جائعة تبكي في الظلام. هو الذي يربط نبضات قلبك بنبضات كل قلب حزين يدق في صمت اليأس. الحب يا صغيرتي هو الذي يُريك العالم بلا أقنعة، تكتشفين عبر الحُب معاناة البشر أجمعين، ترين الكون في أعمق أعماقه.." هذا هو الحُب الأعظم الذي أعرفه وأشعر به.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة