أبو تمام شاعر ينحت من قلبه!

إذا تصفحت كُتب الأدب، وطالعت سير الأقدمين، ستجده زاخراً بالشعراء والدواوين والأشعار، وإنك حين تُقبل على هذا البحر الخضمّ فلن تدري من أين تبدأ وبماذا تعتني. سيحدّثك الأقدمون – كما فعل ابن سلّام الجمحي – عن طبقات الشعراء، وسيحدّثونك عن أشعر الناس في كلّ عصر، وستجدهم يتفقون على براعة أولئكم، ويختلفون في تفضيل بعضهم على بعض، بل إنهم اختلفوا حول أي العصور أعلى بياناً وأقوى شعرية، وهذا موضوع من موضوعات "الأدب المقارن". لماذا نختار أبا تمّام؟

الأبيات الخالدة
كان يقول لنا آباؤنا في أبسط تعريف للشعر الجميل: "إذا أردت أن تعرف جمال أي بيت، فاقرأه مرّة ثم أغمض عينيك، فإن طلبتْه نفسُك، وتردّد في وجدانك، ووجدته عالقاً في مخيّلتك فه وشعرٌ جميل يستحقّ أن تحفظه" وأن شعر أبي تمام قد دار على الألسن منذ أكثر من ألف عام حتى اليوم فإنك – على سبيل المثال – لن تدخل في نقاش عن " المفاضلة بين المعشوقات" إلا قيل لك ما قال أبو تمام:

نقّل فؤادك حيث شئتَ من الهوى.. ما الحبّ إلا للحبيب الأوّل
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى.. وحنينه أبداً لأوّل منزل

 
وإنّك لن تذكر قصّة فتح عمورية في عهد المعتصم إلا ذكرت قصيدته البائية الخالدة:

السيف أصدق أنباء من الكتبِ.. في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف.. في متونهن جلاء الشك والريب

التجديد

مات أبو تمّام، لكنّه ترك في الشعر أثراً لا ينمحي، فلولم يكن من آثاره إلا تلميذه أبو عبادة البحتري لكان حسبه، فكيف إذا عرفنا أن المتنبي سار على درب أبي تمّام ليملأ الدنيا ويشغل الناس.

مما يؤسفك عند قراءة الأدب أنك تجد كلاماً مُعاداً، وصوراً مستهلكة، وتعابير متشابه، ومعاني متكرّرة، وهذا يفقد العمل الفنيّ رونقه وبهاءه وبريقه البكر. الشعراء الحقيقيون هم وحدهم من يستطيعون إطرابك بنغمة لم تسمعها، وبمعنى لم يطرأ لك على بال. الشعراء الحقيقيون هم أولئكم القلّة عبر العصور الذي تفرّدوا، ويكن كلامهم صدى لغيرهم. ولإيضاح ما أردناه سنورد قصّة جرت مع أبي تمام تندرج تحت فكرة الصراع التقليدي بين القديم والجديد.

يقول أبو تمام: لا تسقني ماء الملامة إنّني.. صبٌ قد استعذبتُ ماء بكائي. أرسل أحد النقّاد وعاء لأبي تمّام وقال له: املأ لي هذا الوعاء بماء الملامة. فأجابه أب وتمام: أعطني ريشة من جناح الذلّ. وفي هذا إشارة لقول الله عزّ وجلّ "واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة". أنكر الناقد على أبي تمام هذا الانزياح اللغوي الذي لم يعهده، ولكنّ أبا تمّام أعاده لشاهد من كلام الله عزّ وجلّ الذي لا يختلف اثنان على بلاغته وفصاحته وعل وبيانه، لكن هذا لا ينفي أن أبا تمام قد انزاح في تعابيره عن المألوف من شعراء العربية آنذاك.

سرعة البديهة
كان الشعراء يتوافدون على الأمراء ويمدحونهم في حضرة الأدباء والنقّاد واللغويين، ولك أن تتخيّل الموقف العصيب للشاعر بين كلّ أولئكم الذي يتبارون في إثبات براعتهم وفصاحتهم أمام الأمير. أنشد أبو تمام في حضرة الخليفة مادحاً:

إقدام عمر وفي سماحة حاتم.. في حلم أحنف في ذكاء إياسِ

فقال له الفيلسوف الكنديّ: ما زدتَ أن شبّهت الخليفة بصعاليك العرب، ثارت حفيظة الخليفة وغضب فقال أبوتمّام على البديهة وعلى نفس الوزن والقافية:

لا تنكروا ضربي له من دونه.. مثلاً شروداً في الدنا والباسِ
فالله قد ضرب الأقلّ لنوره.. مثلاً من المشكاة والنبراس

فقال الكندي: هذا الشاعر لا يعيش طويلاً إنه ينحت من قلبه، وكان ما قال الكندي فإن أبا تمام لم يعمَّر طويلاً ومات وهو في زهاء الأربعين عاماً.

الوجدانية
كان أبو تمام يتحرّق في فراشه ويتصبّب عرقاً في الليالي الباردة إذا أراد أن يقول شعراً، واسمحوا لي أن أضرب لكم مثالاً لا يتطرق لها دارس والأدب:

تلقّاه طرفي في الكرى فتجنّبا.. وقبّلتُ يوماً ظلّه فتغضّبا
وخُبّر أنّي قد مررت ببابه.. لأخلس منه نظرة فتحجّبا
ولو مرّت الريح الصبا عند أذنه.. بذكري لسبّ الريح أو لتعتّبا
وما زاده عندي قبيح فعاله.. ولا الصدّ والإعراض إلا تحبّبا

 

الأبيات تحكي أشقّ أنواع العشق، الحبّ من طرف واحد، عِشقٌ يتيم، عشق معذّب منكودٌ، عشق يقف على أبواب مدفوعاً عنها، عشقٌ يتحمّل إساءات الآخر ولا يملك إلا أن يردّها بمزيد من الحبّ والتعلّق والعشق. وسأحيلكم إلى قصيدة أخرى خالدة مطلعها:

كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر.. فليس لعين لم يفض ماؤها عذرُ

توفيتِ الآمال بعد محمّد.. وأصبح في شغل عن السفر السفرُ

 

الحكمة
كانوا يقولون: "أن الشافعي- رحمه الله- شاعرٌ غلبه العلم، وأن أبا تمام عالم غلبه الشعر" والحكمة والعلم أَخَوَان لا يفترقان، ولعلّ القصة التي أوردناها في بداية هذا المقال تُبرز بجلاء مدى سعة اطلاع أبي تمام ومدى فهمه العميق لكتاب الله. ولقد ترك لنا أبو تمام إرثاً علميّاً في كتب عدّة، ولعل أشهرها "ديوان الحماسة." وأن أبا العلاء المعرّي عندما سئل: من أشعر الثلاثة (يعني أبا تمام والبحتري والمتنبي). قال: المتنبي وأبو تمام حكيمان أما الشاعر فهو البحتريّ. رأي أبي العلاء – وإن كنّا لا نوافقه – فإنّ فيه تأكيداً لأمرين: الأوّل أن أعظم شعراء العصر العبّاسي هم أولئك الثلاثة. أما الثاني فهو أن شعر أبي تمام زاخر بالحكمة. وسنقف هنا وقفة موجزة مع بيت لأبي تمام يصلح أن يكون شعار حياة:

بصُرتَ بالراحة الكبرى فلم ترها.. تُنال إلا على جسر من التعبِ

ختاماً مات أبو تمّام، لكنّه ترك في الشعر أثراً لا ينمحي، فلولم يكن من آثاره إلا تلميذه أبو عبادة البحتري لكان حسبه، فكيف إذا عرفنا أن المتنبي سار على درب أبي تمّام ليملأ الدنيا ويشغل الناس.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة