سيرجيو بوسكيتس.. العبقري الصامت!

لا هو يبحث عن الكاميرا ولا الكاميرا تبحث عنه.. سيرجيو رجلٌ صامتٌ في زمن كَثُرت فيه الضوضاء، العبقري الذي أهدى النجاحات لبرشلونة ومنتخب لاروخّا. هو من أُعطيَ الثقة فرَدَّها بثقة اخرى لمدربه وجماهيره، أبهر جماهير برشلونة بطريقته الناعمة في اللعب.. ما اضطر بيب لإجلاس يايا توريه الذي كان احد افضل محاور العالم الدفاعية آنذاك.

  

لا يُعقل أن ابن الـ 19 عام خريج اكاديمية اللاماسيا يُجلِس يايا توريه وهنا يَظهَر أفضل مشروع في نظري فعله بيب ونجح فيه، لم يحظى بوسكي يوماً باهتمام الكثيرين ليس فقط لأن الإعلام لم يهتم به بل لوعي المشاهدين ومقدرتهم على التحليل وفهم ما الذي يفعله داخل الميدان، بوسكيتس الذي دخل في ساحات العبقرية من خلال قوة البساطة. لاعب خفيف، ذكي، مهاري، صاحب لمسة بديعة، وعقلية كروية جبارة، هو عقل جوارديولا داخل الميدان، اللاعب الذي يُشَكِّل فلسفة بحد ذاته، كان هذا سر خلطة بيب السحرية لصناعة جيل لن ينسي في تاريخ كرة القدم.

  

أعادنا إلى كلاسيكية التسعينات لكن مع إضافات عديدة صنعت منه لاعب ارتكاز من الطراز الفريد، مزيج غريب بين الكرة الجميلة والعقلية التكتيـكية المحكمة، هو السبب في حصول إسبانيا على كأس العالم 2010 وهي التي تملك ارتكاز وقفت أمامه الكرة كثيرا، وفاز "بارسا بيب" بدوري الأبطال مرة ثانية في ويمبلي عام 2011، هناك أسرار عديدة للنجاح لكن بوسكيتس سيظل علامة مميزة أضافت لكرة القدم وليس للارتكاز فقط، طابع خاص!

 

بوسكيتس يتميز بحسن القراءة التكتيكية: قراءة شاملة لكل هجمة داخل الملعب، ماسح ميداني بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فلا توجد هجمة واحدة دون أن يكون هو السبب فيها

من أهم مميزات العبقري الصامت:

التمركز والتحرك بدون كرة: حسه العالي حين تُبنى الهجمات من الخلف، وقوفه بالشكل الذي يتيح لزميله أن يلعب الكرة له وهو مرتاح فهو خيار تمرير لكل من بالملعب. وجوده في منتصف دائرة الملعب يعطي اللاعبين اتزان أكثر واستحواذ اطول على الكرة.. هو فعلا بمثابة حجر الأساس لأي فريق.

 

الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط وإضفاء اللمسة الفنية عليها: بالمقابل نجد أن مهاجمين ولاعبو خط الوسط المتقدم لا يجيدون الاحتفاظ بالكرة على طريقته، هذه المهارة توافقت مع فلسفة برشلونة الذي يضع مفهوم الاستحواذ في المقام الاول في أسلوبه.

 

بوسكيتس يتميز بحسن القراءة التكتيكية: قراءة شاملة لكل هجمة داخل الملعب، ماسح ميداني بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فلا توجد هجمة واحدة دون أن يكون هو السبب فيها، حتى في الحالات الدفاعية فهو يعرف متى يضغط ومتى يقفل الوسط، وقطعه لخطوط التمرير التي غالباً ما تكون من توَقُّع صحيح.

 

العقلية التكتيكية الفذة: هو بمثابة "المدرب الذي يلعب كرة القدم" تحقق التوازن والتنظيم العالي بين الصفوف يأتي من تمريرات "اخطبوط باديا"، من حاولوا تقليد بوسكتس في مركزه أو من سبقوه كانوا يحفظون لا يفهمون الأفكار، وهنا نجد بوسكيتس يتفوق عليهم في فهمه لكل الأفكار، هو سلاح تكتيكي لأي مدرب.

 

بساطة التنفيذ ودقة التوقيت: سيرجيو عبارة عن ساعة مؤقتة في الفريق يُسَرِّع من إيقاع اللعب و قد يتأخر في بعض الأحيان ويمارس السحر على الكرة ليس للاستعراض وإنما لخلق مساحات لزملائه وصرف الضغط العالي من قبل المنافس، إضافةً إلى قدرته على اجبار الحكم على إشهار البطاقة الصفراء للخصم لأن استعراضه يكون فيه استفزاز وغالباً ما يكون مهين، حيثُ مهارته في المراوغة لا تأتي لقوة مهاراته وتعددها بقدر ما هي بالمِيعاد السليم فهو يدخل إلى عقل الخصم ويعرف متى يتم خداعه وهذه ميزة فطرية لم تكن يوماً بعقل لاعبي الارتكاز الذين شغروا هذا المركز. كل شيء يُفعل وفق دقة متناهية وتخطيط مسبق في عقل العبقري. السرعة في اتخاذ القرار: سريع جدا باتخاذ القرارات الفعّالة حتى! وليس الخيار الاقل ضرر، فهو يمتلك عين لا تُرى ويعرف ما حوله من لاعبين.

 

الدقة في التمرير: من الصعب أن تجد لاعب تصل دقة تمريراته في الموسم نسبة ستة 96 بالمئة، بوسکيتس مميز بناحية التمرير صحيح أنه أصبح أمر تقليدي أن نسمع عن لاعب في البارسا حقق عدد كبير من التمريرات بدقة عالية خصوصا لو كان من خريج اللاماسيا أو کان إسباني لكن بوسکيتس يتمتع بتمريراته مميزه بين الخطوط تساعد على اخراج الكرة بشكل سليم وتساعد على بناء اللعب للأمام، بوسكيتس موجود ايضا في الماسة الهجومية لبرشلونة.. فتمريرات بوسكي ليست جانبية او للخلف فقط كما يعتقد الكثيرون، لكن بوسكيتس بارع ايضا في دور صانع الألعاب الخلفي، الكثيرون لا يلاحظون هذا الشيء باستطاعة بوسكيتس بتمريرة واحدة ان يضع لاعب فريقه بين خطوط الخصم … هذه النقطة بالذات إذا لم تنتبه لها من قبل صعب أن تنتبه لها الآن

 

لم أجد وصفاً أفضل مما قاله فيسينتي ديل بوسكي"مدرب اسبانيا 2008 2016″ حين قال: إذا شاهدت المباراة قد لا تراه، لكن إذا راقبته سترى المباراة بكامل تفاصيلها. يعتبر من أذكى اللاعبين في تاريخ كرة القدم، هو فَذ في مركزه بحق! أضاف نكهة خاصة لهذا المركز باسلوبه السلس والبسيط، حيث يثبت دائما أن العظمة مفتاحها قوة البساطة وأن العبقرية تأتي من البساطة أيضاً، على كل شخص رأى وفَهِمَ دَور هذا اللاعب الفخر بنفسه لأن هؤلاء اللاعبين عملات نادرة في تاريخ المستديرة من الصعب تكرارها.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة