حدود العقل.. متى يحب أن نتوقف عن التفكير؟

BLOGS تفكير

"إن العقل ميزان صحيح، لكن لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد، فإن ذلك طمع محال". ابن خلدون
"أستطيع أن أصف لك كيف يبدو لي العالم، لكني لا أستطيع أن أصفه كما هو في الواقع". ايمانويل كانط
"نحن لا نعرف شيئاً، ولن نعرف شيئاً". بيرون

لقد كان خلافاً عظيماً ذلك الذي دار بين الفلاسفة والعلماء على مر التاريخ، حول حدود العقل وإمكانياته، وبقدر اختلافهم واختلاف بيئاتهم كانت النتائج مختلفة، بحثوا في الأسئلة الوجودية الكبرى، من بداية الخلق حتى مسألة البعث. مروراً بالقضايا الأخلاقية والحقائق العلمية، فهل خيب العقل ظن الفلاسفة؟ وخذل من راهنوا عليه؟ إليك التيارات الثلاثة الأبرز في هذه المسألة عبر تاريخ الفلسفة:

الشكييون
محاولة تفسير كل شيء منطقيا وعلمياً ما تزال هي الأخرى حلماً بعيد المنال، فالعلم "لا ينفع الإنسان عند نزول المصيبة" كما قال باسكال

إن الشك هنا لا يعتبر نسقا فلسفياً يقدم إجابات لكل أسئلة الوجود، إنما هو "موقف"، وموقف محايد أيضا، إن الشاك الحقيقي لا ينفي أي فكر أو عقيدة كما لا يثبتها أيضاً، إنه أقصى درجات الإحباط، يرى بيرون أننا لا نعرف شيئا ولن نعرف شيئا، وأن الأسئلة الوجودية الكبرى ستبقى معلقة، دون إجابات.

يستدل الشكيون هنا بأن العقل ليس مصدراً موثوقاً للحقيقة، فالعقل مثلاً يقول إن الشمس تدور حول الأرض، في ما أصبح من المتفق عليه أن هذه المعلومة خاطئة، وفي الكثير من الإشكاليات المنطقية يستطيع العقل أن يثبت الشيء، ويثبت عكسه بنفس الكفاءة.

ويرى كانط مثلاً أننا لا يمكن أن نعرف الأشياء على حقيقتها إطلاقا، نحن محكومون بتجاربنا ومحيطنا وحواسنا، لذلك تختلف مثلاً نظرة الماليزي الحداثي عن الشيعي عن المتصوف للإسلام، وبالتالي سوف لن يمكننا تعريف إسلام معياري، الإسلامي الأصلي أو الحقيقي؛ هي كلها تفسيرات، تتغير حسب الأشخاص والظروف. فمحاولتنا لفهم كل شيء، والإجابة على كل شيء ما هي إلا محاولة بائسة للهروب من قدرنا المحتوم؛ وهو البحث في الآراء المتناقضة دون الوصول لإجابة. ومن أبرز الشكيين: بروكلي ودافيد هيوم وبيرون المؤسس طبعاً. عندهم باختصار "الموضوع عبثي".

لا يجوز للعقل العمل في مجال الغيب

ربما يعرف الكثيرون من من درسوا الهندسة، يعرفون إسهامات باسكال في مجال الفيزياء، لكنهم قد لا يعرفون أنه كان مؤمنا من نوع خاص أيضاً، يقول: "للقلب أسبابه التي لا يدرك العقل عنها شيئاً، فالقلب هو من يشعر بالله تعالى لا العقل، وهذا هو الإيمان؛ أن تجد الخالق بقلبك لا بعقلك". في هذه الجمل اختصر باسكال نظرته – ونظرة الكثيرين- للعقل وحدوده، فالعقل عنده يصبح عقيماً حين نقحمه في مجالات لا يستطيع استيعابها.

يستدل باسكال هنا بأن مشكلة بداية الكون مثلاً لا يمكن للعقل أن يحلها، فلا يمكنه تصور "الأبدية" إطلاقاً ولا استيعابها مهما حاول، وهنا يأتي دور الإيمان. تماماً كما يرى الغزالي أننا نقدم الاحتمال "الأضعف عقلاً" إذا قرره الوحي. وهذا ما رآه جون لوك وابن خلدون والأشاعرة عندنا وغيرهم. باختصار العقل عندهم "قاصر".

العقل هو كل شيء

إن هذا الموقف -على عكس ما يعتقد الكثيرون- هو الأضعف فلسفيا، فأغلب الفلاسفة كانوا إما مؤمنين أو شكاكين بالمعنى الذي سبق، أي أنهم يشكون في العقل نفسه. لكن نقطة التحول هنا كانت مع الداروينية. فقد بدأ الكثيرون يتطلعون لبدائل علمية لكل شيء. على اعتبار أن بداية الخلق قد تم تفسيرها علمياً، ف -عندهم- نظرية الخلية الواحدة، ثم التطور تعد بديلاً كافياً لنظرية الخلق في الأديان، ثم الانفجار الكبير الذي يفسر بداية الكون وهكذا… لذلك يمكن اعتبار المذهب الأخير العدو الحقيقي للإيمان، وليس الشك؛ فالشك بطبيعته مسالم لا ينفي ولا يطرح بدائلاً. لكن محاولة تفسير كل شيء منطقيا وعلمياً ما تزال هي الأخرى حلماً بعيد المنال، فالعلم "لا ينفع الإنسان عند نزول المصيبة" كما قال باسكال. دون الحديث عن المسائل الدينية الأكثر تعقيداً والتي يصعب تقديم إجابات علمية عليها.

لكن سام هاريس يرى أن "العلمية" لا تُعنى بتقديم إجابات لكل شيء، بقدر ما هي "موقف" هي الأخرى، موقف يرفض الخرافة والأسطورة لا أكثر. عموماً، العقل الإنساني جبار، فحتى حين ننقد العقل، ونحاكمه، نفعل ذلك باستخدام العقل نفسه! لكن يمكن القول إنه خيب ظن أغلب الفلاسفة والمفكرين، فرأوه محدوداً متناقضاً بطبيعته؛ يثبت الشيء ويثبت عكسه في الوقت ذاته، ويجب استخدامه بحذر شديد.