مؤتمر وارسو.. خبز الدم ونخب الخيانة

BLOGS مؤتمر وارسو

يبدو أن عرابي صفقة القرن يمضون بسعي حثيث صوب تحقيق فصول الصفقة بالكامل، فهرولة قادة السعودية والإمارات والبحرين للتطبيع مع عدو العرب والمسلمين الأول في منطقة الشرق الأوسط تقطع أشواطا كبيرة في زمن قياسي، ولا يلوح في الأفق إلا التماهي التام لسياسات دول "الاعتدال" هذه مع أجندة تل أبيب، وتطلعاتها العنصرية، وخططها التوسعية على حساب دول الجوار.

تصريح ‏مايك بينس، نائب الرئيس الأمريكي، في افتتاح مؤتمر وارسو بأن حقبة جديدة تشهدها المنطقة، بالتئام نتنياهو مع قادة كل من البحرين، والسعودية، والإمارات في المؤتمر، واقتسامهم الخبز معا، واحتسائهم لنخب "السلام"، وتشاركهم لنفس الرؤية حول الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، أو كما سماها بينس "وجهات النظر الصادقة حول التحديات التي تواجه المنطقة"، كل ذلك مؤشر واضح على خروج أفاعي التطبيع العربية من جحورها، وتأهبها للدغ كل من يعارض أو ينتقد انبطاحها المعلن لرغبات الصهاينة.

"التطرف هو أكبر خطر يهدد العالم"، يؤكد بينس في كلمته بالمؤتمر، ولا ندري أيقصد تطرف قوات بلاده في غزوها لأفغانستان والعراق، وتدميرهما والتسبب في كارثة عظمى لحقت بشعبيهما؟ أم تطرف دولة إسرائيل المارقة في احتلالها لأرض ليست لها، واعتقال الآلاف من الفلسطينيين، وقتل أطفالهم وهدم بيوتهم، ومحاصرتهم في غزة منذ ثلاث عشرة سنة؟ أم تطرف بوذي ميانمار الذين يبيدون قرى مسلمة بأكملها؟ أم تطرف العصابات الإفريقية المسيحية التي تحرق المسلمين وهم أحياء، وتهدم المساجد على رؤوسهم؟

مهندسو الثورات المضادة ماضون في التأسيس لحلف صهيو-خليجي ينفذ الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط الجديد، شرق أوسط خال من المقاومة للمشروع الصهيوني الإرهابي التوسعي

مؤكد أن نائب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لا يقصد أيا من هؤلاء، فقد صارت مفاهيم التطرف والعنف والإرهاب في عرف الغرب وحلفائه علامة مسجلة باسم أولئك الذين يؤمنون بإله واحد، ويتبعون نبيا اسمه أحمد؛ هؤلاء من يقصد بينس، في حضرة رئيس وزراء كيان غاصب محتل يصنع الإرهاب ويرعاه في المنطقة والعالم، أما ممثلو الدول العربية في المؤتمر فينصتون للسيد الأمريكي مشفقين كأن على رؤوسهم الطير.

تعزيز حضور اليهود المتدينين في المؤسسة العسكرية، وفي جهازي الاستخبارات الشاباك والموساد، أضحت واحدة من أكثر السياسات الصهيونية الداخلية إثارة للجدل، غير أنها لا تلقى دوليا ولا حتى إقليميا أي استهجان فضلا عن الإدانة، بيد أن سعي الأنظمة العربية إلى علمنة كل المؤسسات والهيئات المدنية والعسكرية في بلدانها يتسارع بالتوازي مع سرعتها في التطبيع مع الدولة اليهودية التي يجاهر قادتها دون أدنى حرج أنها دولة دينية؛ فتابعنا في مصر ما سمي بمحاربة أخونة الدولة، وفي أغلب الدول العربية نشهد إجراءات رسمية صارمة تجري على قدم وساق لـ"تطهير" المناهج التعليمية من النصوص الدينية التي "تحرض على العنف وإقصاء الآخر" (آيات وأحاديث الجهاد)، تلك النصوص التي تعد بمثابة آخر باعث وملهب لجذوة المقاومة في وجدان هذه الأجيال التي تعاصر واحدة من أحلك الحقب التي تعيشها أمة العرب والمسلمين، حيث استبيحت كل حرماتها ونالها السوء من حكامها قبل غزاتها.

قد تختلف التحليلات والتبريرات لهذه المواقف المخزية، غير أن محاصرة دولة شقيقة لأكثر من سنة ونصف، وشن حملة إعلامية كاذبة خاطئة ضدها، والسعي بقوة إلى الإضرار بها دبلوماسيا وسياسيا وجغرافيا وحتى رياضيا، كلها معطيات تؤكد أن بوصلة الصراع بالنسبة لصهاينة العرب قد استقرت أخيرا بعد طول اهتزاز لتشير إلى أشقاء الدين والعرق، وأن حرابهم بدل أن ترهب عدو الله وعدو المؤمنين الغاصب المحتل، تراها قد وُجِّهت إلى الشعوب الثائرة في وجه الطغيان الذي أهلك الحرث والنسل، فمهندسو الثورات المضادة ماضون في التأسيس لحلف صهيو-خليجي ينفذ الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط الجديد، شرق أوسط خال من المقاومة للمشروع الصهيوني الإرهابي التوسعي، ولا مكان فيه لأي محاولة من الشعوب العربية لإعادة الاعتبار لهذه الأمة، التي ليس بها من بأس سوى تسلط حكام رهنوا كل إمكاناتها وثرواتها للسيد الغربي.

صحيح أن البشرية لم تسلم منذ القدم وعلى مر العصور من الخيانات والمؤامرات، غير أن التاريخ على كثرة ما فيه من هذه المحطات المخزية حافل كذلك بالعبر لمن شاء أن يعتبر، ولعل أوضحها أن الخائنين مهما استتروا يُفضحون، وأن المرتزقة مهما بلغ جمعهم لا يفلحون، وعلى الباغي تدور الدوائر.