قضية التغير المناخي في الإعلام العربي

blogs أدخنة الوقود الأحفوري بالصين

أطلقت ديزني مؤخرًا العرض الترويجي الخاص بالجزء الثاني من فيلم الرسوم المتحركة (Frozen) المتوقع أن يُطلَق في دور العرض نهاية العام الحالي، وبعد مشاهدتي للمقطع الترويجي عدة مرات لاحظتُ ما يحمِلهُ من مضامين دعائية تركز على قضية التغير المناخي؛ أبرزها عندما تظهر في المقطع شخصية من شخصيات الفيلم تحاول بجهد إيقاف أمواج الماء العالية من الوصول إلى اليابسة باستخدام قدراتها الخارقة (الخيالية) في تحويل المياه إلى ثلوج، وتستمر في محاولتها إيقاف هذه الأمواج المرتفعة والمخيفة عدة مرات، لكن دون جدوى، وهذا المشهد بالتحديد يجسد ما يحدث يوميًا في القطب الشمالي من ذوبان للجليد وغرق للكثير من الحيوانات والكائنات، بل حتى إنَّ بعضها بدأ بالانقراض، وهو ما يُشكل خطورة على البيئة بشكل عام، وعلى الدول القريبة من الساحل بشكل خاص.

 

لم تتوقف مؤسسات ووسائل الإعلام في الغرب عن تسليط الضوء على هذه القضية المهمة بالنسبة للناس جميعًا، ويمكن رصدها وملاحظتها في الكثير من الأفلام السينمائية والوثائقية والبرامج التلفزيونية ونشرات الأخبار، والمقالات والأبحاث، لأنَّ الإعلام يُدرِك جيدًا تداعيات التغير المناخي وخطورته، بسبب قرب تلك المؤسسات والوسائل من المصدر، ومراكز البحوث الخاصة بهذا الشأن، فضلًا عن مراعاتها للقيم الإخبارية في تحديد أولويات نشر الأخبار والموضوعات، وتخصيصها لميزانيات مالية فعلية للبحث في ثنايا هذا الموضوع الخطير وعرض تفاصيله بالتحليل والتفسير والأدلة العلمية إلى الجمهور.

 

قضية التغير المناخي هي قضية مهمة يجب أن تأخذ حجمها الحقيقي في وسائل الإعلام العربية، وينبغي على كليات الإعلام ومعاهد الصحافة إدخال الإعلام البيئي كمنهاج يُدرَّس فيها

أما بالنسبة للكثير من مؤسسات الإعلام العربي، والتي لا تزال تُعاني من قيود التبعية للحكومات والأحزاب، والجهة التي تمولها وتدعمها ماديًا، فهي لا تُعطي أهمية لهذا الموضوع ودائمًا تُصغر من حجمه وتقلل من شأنه، وإذا حدث واهتمت به، يكون هذا الاهتمام بطريقة خجولة جدًا كأن يظهر في شريط الأخبار أو في نهاية النشرة.

 

من هُنا ينبغي على أجهزة الإعلام العربية أن تخرج من إطار التبعية، وتُعيد النظر في سياساتها التحريرية، وتفكر بجدية في التحرر من قبضة الممول أو الداعم، وأن تروج لأفكار وقضايا حيوية مع تقديم الحلول المنطقية والممكنة لها، والابتعاد عن أخبار الصحافة الصفراء، وعن والجري وراء السبق الصحفي الذي ما هو إلا فخ في ظل بيئة إعلامية تتسم بالكثير من الشائعات والأخبار الكاذبة.

 

وعليه، فإنَّ قضية التغير المناخي هي قضية مهمة يجب أن تأخذ حجمها الحقيقي في وسائل الإعلام العربية، وينبغي على كليات الإعلام ومعاهد الصحافة إدخال الإعلام البيئي كمنهاج يُدرَّس فيها لتعريف صحفيي المستقبل بالدور الذي يلعبهُ هذا النوع من الإعلام في نشر الوعي بين الأفراد داخل المجتمعات للمحافظة على البيئة والتصدي لظواهر مثل التغير المناخي وكوارث مثل الاحتباس الحراري.

 

إضافةً إلى ما سبق، تمتلك بعض مؤسسات الإعلام العربية إمكانيات هائلة سواءً من ناحية توظيف التقنيات الحديثة (أجهزة وأدوات) أو من ناحية شبكة من المراسلين منتشرين في عدة دول حول العالم، لكنَّ هذه الإمكانيات غالبًا ما توظَف بطريقة لا تخدم قضايا جوهرية، فعلى سبيل المثال المراسلين الذين يتواجدون في شمال أوربا أو كندا، لا نراهم إلا في أعياد رأس السنة الميلادية يغطون حدث الميلاد، أو يظهرون في برنامج صباحي يتحدثون عن موضوع قد لا يهم نسبة كبيرة من جمهور الوسيلة.

 

هنا يجب إعادة النظر في الطريقة التي توظَف بها هذه الإمكانيات، وتخصيص صفحة عبر الموقع الإلكتروني للمؤسسة تضم بيانات وأرقام ومعلومات وحقائق عن مخاطر التغير المناخي، أو فقرة في برنامج الصباح، أو تقرير في نشرات الأخبار التي تُعرَض على مدار الساعة، أو تغطيات إخبارية مستمرة لهذه القضية لتذكير الجهات المسؤولة بخطورتها والسعي لمعالجتها، أو مقطع فيديو يُنشر في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى حملة بسيطة عبر تويتر.

 

رغم صعوبة ما أطمح أن أراه في وسائل الإعلام العربية إزاء هذه القضية، وأنا على علم بطبيعة المنطقة وما تشهدهُ من احداث سياسية وأمنية متوترة، وما يُعانيه الناس من فقر وظلم وقلة في الخدمات في عديد من الدول، يبقى التغير المناخي خطر يهدد عالمنا الذي نعيش فيه؛ فمن تداعيات الظاهرة أن تشهد مناطق من الوطن العربي ارتفاع في درجات الحرارة يصل إلى حد الجفاف، ومناطق أخرى ستشهد فيضانات وأمطار غزيرة تؤدي إلى غرقها وربما زوالها، وهذا الأمر يمس الناس جميعًا ولا يقتصر على فئة أو شريحة محددة.