معركةُ التّيه.. حِين أضَعت الخطو في شَوك الدُّجَى

"التّيه يملأه الضّباب… كل الدّروب تشابهت…

 فبأيّ دربٍ سوف تمضي حين يغشاك الظّلام؟"

 

إنّ الحقيقةُ التي لا غُبار عليها أنّ لكلّ منّا متاهة يعيش فيها، يصارع نفسه بشكلٍ دائمٍ، مبتدؤها تيهٌ عن ذواتِنا الذي قد يعبّر عن القلق السّاكن في النّفس الإنسانيّة أو الوحدة، أو ما يُعبّر عن الإحباط، وفقدان القدرة على تحقيق الهدف، المترافق والشّعور بالخذلان وخيبة الأمل؛ فغالبًا ما يرسم الإنسان صورة محدّدة لوطنيّته إلّا أنّه يواجه الخيبة عندما يصطدم بواقعٍ مغايرٍ لذلك الّذي لطالما آمن به، ومن التّيه أيضًا ما يتجسّد ظاهرًا في ذلك الشّخص الذي لا يلبس إلّا ما اشتعل سعره وغلا ثمنه، وما هذه إلاّ حالة تبيّن الفراغ الإنسانيّ الدّاخليّ من جهة، وارتباط القيمة الإنسانيّة بالمادة من جهة ثانية. ما يدلّنا على تيه يجتاح المجتمع، بحيث فَقدت القيمة الإنسانيّة قدسيّتها؛ لأنّ الإنسان بهذا يبحث عمّا يعزّز ظاهره لا عُمقه الإنسانيّ. ثمّ تيه عن محيطنا، وصولاً إلى ذلك التّيه المرادف للغربة في داخل كلّ منّا.  ويأخذ التّيه شكله الأشدّ قسوة في تأثيره في التّضليل الدّينيّ، حين يستخدمه الإنسان لتحقيق مآربه الشّخصيّة، فيتوه عن نفسه وعن الله، بل وقد يتجاوز ذلك لينصب نفسه إلهًا يستحكم ويتحكّم…

 

إذن هي مساحاتُ تيهٍ متجذّرة في الحياة الاجتماعيّة أوّلاً، وفي الدّاخل الإنسانيّ ثانيًا، بفعل الفوضى الإنسانيّة الّتي تعبّر عنها السلوكات الأخلاقيّة، مساحات تائهون نحنُ فيها نبحثُ عن الطّريق الذي سيقودنا إلى الخروج منها، فمنّا من يهتدي في النّهاية بعد بحثٍ وعناءٍ وتمسّكٍ بالثّوابت، ومنّا من يقضي عمره يتخبّط بين السُّبل فلا يجدُ له سبيلاً يُنجيه.

 

إنّ حالنا في هكذا أيّامٍ كحالِ التّائه في الصّحراء، فهو وبالرّغم من توهانه إلا أنّه لا يتوقف عن السّير، علَّه يهتدي إلى سواء السبيل

وهي هكذا الفِطرة حين تنحرف يضلّ الإنسان وينقلبُ على وجهه، ذلك أنّ الإيمان يزيد وينقص، يتوهج ويخفت، يُمسك بتلابيب النّفس أو يُفلِتها فيفتُر، وكُلّما تمادى الإنسان في ضَلاله، اتسعت الزاوية وابتعد الخطّ عن نقطة الابتداء، حتى ليصعب عليه أن يؤوب، فكل من سُبِقت حياته بعدمٍ واعتراهُ الخلل والضّعف لابدّ وأن يُدركه التّيه، لأنّ قدمه لم تكنْ راسخةً رسوخ الجبال وفؤاده كان هواءً.

 

وأيام التّيه في حقيقتها أيّامٌ تمرّ عليك كقطارٍ بطيء يغلق الطريق ولا تنتهي عرباته، فلا أنت تستطيعُ العبور ولا هو يحملك إلى نقطة أبعد، وكأنّك تراقب تَفَلُت العمر كتفلّت الماء من بين الأصابع، أحوالك ظاهرة لك تعرفها، لكنك تستمرئ الغفلة وتسير مع الجموع وتبحر مع الموجة العالية من حبّ الدنيا، والناس من حولك بين حيّ وميّتٍ، سائر للنور وتائهٍ في الظلمات، فترى حياتك رأي الأعشى للطريق في ليلة حالكة السّواد، حتّى تستنزف نفسك فتغدو كتُربة قد أصابها الجفاف فتشقَّقت وقاربت حدّ البوار.

 

وإنّ حالنا في هكذا أيّامٍ كحالِ التّائه في الصّحراء، فهو وبالرّغم من توهانه إلا أنّه لا يتوقف عن السّير، علَّه يهتدي إلى سواء السبيل. لعلّ الفارق الوحيد بين الحالتين، أنّ التائه في الصّحراء قد تقوده قدماه إلى منجاته، أما نحن التائهون بين خنادق ذواتنا ومجتمعاتنا فإنّ تخندقنا هذا لا يزيدنا إلا تيهًا وضلالاً.

 

لربّما ليس لمعركةِ التّيه التي أتحدّثُ عنها هَهُنا علاقة بالأسفار أو بقصّة خروج اليهود من مصر، وكيف أنّهم ضَلُّوا الطريق في صحراء سيناء لمدة أربعين سنة عقابًا على كُفرهم بتعاليم سيّدنا موسى، ورفضهم إطاعة أمر الله جُبنًا منهم ومخافة الحرب. "قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ".

 

نعم هي أممٌ وشعوب مضت وانقضى أجلها، وزالت وأصبحت نسيًا منسيًا، لكنّنا نقتصُّ أثرها من قَصَصِ القرآن لنستوعب العبرة، وندرك الخلل؛ فنُسقطه على أنفسنا، ونعدّل المسير، لتستصلح الحال، ولعلّ إبقاءهم في التّيه أربعين سنة لم يكن صرف عقوبةٍ على عدم إطاعتهم في دخول الأرض المقدسة وحسب، بل قد يكون وراء ذلك إرادة تأديبهم ونضجهم، ليصلحوا أن يكونوا حملة رسالة سيّدنا موسى إلى الأمم الآتية، فإن حملة الرّسالة لابدّ لهم من عقل ونُضج، لا يتوفّران للشخص بسرعة، وإنّما بطول المحنة والتجارب والشدائد ولمّا لم يكن بنو إسرائيل مؤهلين بعد لهذا التمكين، كان لهم التّيه.

 

اكتشاف الذّاتِ يعني أن تعرف ثِقلك ونقطة الميل، فتُحسن تطبيق قانون الارتكاز لتكون قدمك راسخة مهما تقلّبت الظروف، وأن تتعرّف على كتلة اليقين في قلبك وفراغات العلم وثغرات النفس

وكما في قصّة التّيه هذه من العبر، نجدُ سبيل النّجاة منه في قوله تعالى: "كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ"، وهو توجيهٌ إلهيٌّ يُربِّي المؤمنين على الخضوع والخشوع والتواضع لعظمة الله والتذلل بين يديه، وتجري عليهم الآية "فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ". ولا تيه أشدّ قسوةً من أن يوكل الإنسان إلى نفسه وضعْفه، ولا شيء يدفعه ويحمي النفس من غوائله مثل الإخبات لله، والقرب منه، والركون إليه. وفي قوله أيضًا: "وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ" يذكّر الله الرسول -صلى الله عليه وسلم-ما كان من شأن ربّه معه منذ أول الطريق، ليستحضر في خاطره جميل صُنع ربّه به، ومودّته له، وفيضه عليه، ويستمتع باستعادة مواقع الرحمة والودّ والأنس الإلهي. وهو متاع فائق تحييه الذكرى على هذا النحو البديع.

 

ولكي يجد المرء منّا ذاته الحقيقيّة، تلك الذّات التي تُبرز تفرده وتميّزه عمن يحيطون به، عليه أن يبحث داخل نفسه وكينونته، حتّى يستطيع بذلك فتح باب الولوج الحقيقي إلى المنظومة الاجتماعية. وخلال هذا البحث سينتبه إلى مشاعره الخاصة، والتي هي أحد أهم تجلّيات ومظاهر التفرد الإنساني، وذلك أن المشاعر مختلفة عن العقل المجرّد غير المتحيّز الذي تشترك فيه البشرية جميعها أو على الأقل يمكن أن تتشاركه؛ فالمشاعر خاصةٌ بكلّ فردٍ، ولا يمكن أن تُجَرَّد من السّمات الشخصية، ولذا فهي تبدو موطنًا طبيعيًا لكل ما هو ذاتيّ وفردي باقتدار، ومن ثم فهي خلاصة التفرد.

 

لكن لا تظنّ أنّ رحلة الاستكشاف هذه بتلك البساطة، بل هي معركة داخليّة طاحنة إمّا أن تصقلك فتخرج منها وأنت أهلٌ لذلك، وإمّا أن تستنزفك إلى آخر زفرةٍ فيك، فالفرد منّا أشبه بـ (الذرة) في الفيزياء، ذو بنية معقدة غير متجانسة من العناصر الدقيقة. لذا من الصّعب جدًّا أن نصل إلى تلك المشاعر الحقيقية المرتبطة بذواتنا، سنتخبّط بين ألفِ شعورٍ وشعور، سننكر بعضها ونتمسّك ببعضها، وستختلطُ علينا أخرى، وأخرى سنكتشفُ أنّنا نجرّبها للمرّة الأولى، سنضعُ الخطى في غير موضعها فنزلّ تارةً ونُدمي أقدامنا تارةً أخرى، منها ما قد يقرّبنا للهاوية أكثر فأكثر، ومنها ما سيقودنا لأعماق ذواتنا لنكتشف زوايا ما كنّا نُبصرها قبلاً… ومع كلّ هذا التعقيد كلّه إنّي لأعجُب من أولئك الذين يستهينون بالأمر ويتّخذون هذا الباب ذريعة لجنيِ مبالغ طائلة، مُدّعين في ذلك امتلاك القدرة على مساعدة الإنسان في الوصول إلى حقيقة نفسه، وما هم في الحقيقة سوى كأعمىً يدل مبصرًا على الطريق، وما قولهم إلاّ قول ضَالين مُضلين وما هو إلاّ ظنٌّ أو افتراء.

 

واكتشاف الذّاتِ يعني أن تعرف ثِقلك ونقطة الميل، فتُحسن تطبيق قانون الارتكاز لتكون قدمك راسخة مهما تقلّبت الظروف، وأن تتعرّف على كتلة اليقين في قلبك وفراغات العلم وثغرات النفس، لأنّ العقل والعلم في القرآن قرينَا القلب والإيمان، ثمّ لمّا كان احتمال الاغترار بالعلم، ربط سبحانه وتعالى فعل القراءة (بِاسْمِ رَبِّكَ)؛ لتكون قراءة تأمليّة، في الخلق، في النفس والكون، قراءة معرفة بنفوس وسيكولوجيات الناس، قراءة تجارب وخبرات، انتصار وانكسار، قبول ورفض، حرب وسِلم، قراءة تغيير أوضاع مجتمع مختلة موازينه، قراءة صُنع جيلٍ كامل يسعى ليؤدّي رسالته، فعلُ قراءةٍ كعمليّة منهجيّة لا كهواية، قراءة لاستكمال أطوارنا، لحلقتِنا المفقودة بين خلق الله، لتكون بذلك علمًا نافعًا يلامس شِغاف القلب، ويهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. فإذا زاغت الأبصار ثبتتَ نظرك إلى قِبلتك وحفظتَ وجهتك، فإنّ أهل الأباطيل قالوا لأتباعهم "لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة