كيف جسرت "تكنولوجيا الإبداع" الهوة بين العجز والقدرة؟

حتى وقتٍ قريب، كان الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي حكراً على الطلبة غير المعاقين، ولا مكان لغيرهم من ذوي الاعاقات المختلفة في الحياة الجامعية، فالموانع والمعوقات الفيزيائية، والسياسات الحكومية، والموروثات الاجتماعية والثقافية، والتأخر التكنولوجي كانت كلها عوامل مجتمعة تحول دون وصول ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة في مؤسسات التعليم العالي، وخدمة التنوع البشري القائم بالأساس على القصور النسبي، والتباين في القدرات والوظائف العقلية والجسمانية والنفسية والوجدانية. ولعل العوامل الوراثية والإعاقات الناشئة عن الإصابات والحوادث هي من أهم أسباب ومحفزات الإعاقة، وتدهور الوظائف الأدائية للحواس، والصعوبة في الوصول إلى مصادر التعليم، والتكيف مع البيئة الأكاديمية.

وفي الآونة الأخيرة، أدى التقدم التكنولوجي الهائل، والثورة الرقمية، والاهتمام الكبير باقتصاد المعرفة إلى ظهور الكثير من التقنيات المساعدة وتكنولوجيا الإبداع التي ساهمت في وضع الحلول لمعظم المعوقات، ومخاطبة الأزمات التي تعترض المسار الحياتي والأكاديمي والمهني لهذه الفئة، والتخفيف من الموروثات الاجتماعية والنفسية والثقافية التي تحول دون إدراج ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة في البيئة المحيطة.

وتعرف المنظمة الأمريكية للمكفوفين (2012) التقنيات المساعدة بأنها: (أي أداة أو تقنية من شأنها مساعدة الطلبة ذوي الإعاقة البصرية على إنجاز المهام بطريقة سهلة وسريعة ومستقلة). وتسمح التقنيات المساعدة بوصول الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية إلى الخطوط المطبوعة والمكبرة، ورموز (برايل)، والقراءة الصوتية عبر قارئ الشاشة؛ وذلك بتقليل الهوة بين العجز والقدرة التي يكون للتقنيات المساعدة الدور الأكبر في تحقيقها.

الكثير من المشاكل والمعوقات التي تحول دون اعتماد بعض الأفراد من ذوي الإعاقة على التكنولوجيا المساعدة يعود بالأساس إلى عوامل اجتماعية، وتخوفهم من تصنيف المجتمع لهم بأشخاص يعانون من القصور

وينص ميثاق الأمم المتحدة الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (UNCRPD) في أكثر من تسعة مواد والصادر عام 2006 على: (ضرورة توفير جميع الأدوات ووسائل التكنولوجيا المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة، وتسهيل حصولهم على الخدمات ووصولهم إلى جميع المرافق، والعمل على مواءمتها وإدراجهم في المجتمع). وأظهرت قائمة الأولويات التقنية المساعدة التي تبنتها منظمة الصحة العالمية (WHO) عام 2016 مدى الأهمية التي تحظى بها التكنولوجيا المساعدة الهادفة إلى وضع أصحاب الإعاقات المختلفة على قدمٍ وساق مع نظرائهم من غير المعاقين، ويبين تقرير آخر صادر عن المنظمة ذاتها عام (2006) أن حوالي 180 مليون شخص حول العالم يعانون من إعاقات مختلفة، وهم بحاجة إلى التكنولوجيا المساعدة. 

وبالرغم من المزايا المشرقة والطفرة النوعية التي أحدثتها التقنيات المساعدة في حياة الأشخاص ذوي الإعاقة، والتحول الجذري في مسارهم الوظيفي والمهني، وخروجهم من شرنقة التبعية إلى فضاء الاستقلال والاعتماد على النفس، إلا أن الحصول على هذا النوع من التكنولوجيا المتخصصة أمرٌ مكلفٌ جداً، ويحتاج الكثير من المال، ويتطلب أيضاً الكثير من الدعم الحكومي. كذلك فإن الوصول إلى هذا النوع المتخصص من التقنيات المساعدة ليس سهلاً أو متداولاً في معظم البلدان النامية. بالإضافة إلى صعوبة تصنيف طبيعة الاحتياجات التقنية للأشخاص ذوي الإعاقة والذي يتطلب الكثير من الفحوصات الطبية الدقيقة؛ لتحديد الأدوات الأكثر فعالية في التأقلم مع القصور.

ويشير (غرينهالغ 2016، وكلبرغ 2015) إلى أن الكثير من المشاكل والمعوقات التي تحول دون اعتماد بعض الأفراد من ذوي الإعاقة على التكنولوجيا المساعدة يعود بالأساس إلى عوامل اجتماعية، وتخوفهم من تصنيف المجتمع لهم بأشخاص يعانون من القصور، ورغبتهم الجامحة في تلبية متطلبات المجتمع، وإشباع نظرته التي لا تعترف إلا بالشخص الطبيعي الخالي من القصور. ويرى الباحث (كارفر، 2015) أن قبول الأشخاص ذوي الإعاقة للتقنيات المساعدة وثيق الصلة بمجموعة من المحددات أهمها: (درجة الحاجة للتكنولوجيا المساعدة، ومعدل التكلفة للحصول عليها، وطبيعة العوائد المتحققة من امتلاكها، وسهولة الوصول إليها، ومستوى قبول المجتمع لها).

وقد عملت الولايات المتحدة، وأستراليا وكندا، وسنغافورة، وغيرها من الدول المتقدمة على تشجيع التقنيات المساعدة، ودعمها بشتى الوسائل لتسهيل وصول الأشخاص ذوي الإعاقة؛ لا سيما البصرية منها إلى مؤسسات التعليم العالي كأساس مبدئي لتحسين جودة التعليم، وحصول الجميع على فرص متكافئة في الرعاية والخدمات والدمج الاجتماعي.

وفي فلسطين تشير البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للعام 2011 إلى أن أعداد ذوي الإعاقة البصرية قد وصلت إلى حوالي 113 ألف فرداً، أي ما نسبته 2.7 في المائة من إجمالي التعداد السكاني منهم 75 ألف في الضفة الغربية، يشكلون 2.9 في المائة من مجموع سكان الضفة، وحوالي 38 ألف في قطاع غزة، أي ما نسبته 2.4 في المائة من السكان. كما بلغت نسبة الإعاقة بين الذكور 2.9 في المائة مقابل 2.5 في المائة بين الإناث.

ورغم أن أكثر من ثلث هذه الفئة الاجتماعية المهمشة والهشة، أي ما نسبته 37.6 في المائة لم يلتحقوا بالتعليم، ولم يحصلوا على فرص متكافئة للالتحاق بالمدارس والجامعات، إلا أن هنالك زيادة مطردة في أعداد المتعلمين من ذوي الإعاقة؛ لاسيما البصرية منها. الأمر الذي يستدعي ضرورة وضع الاستراتيجيات القطاعية والمؤسساتية؛ لتحسين وصولهم إلى مصادر المعرفة، واستثمار التقنيات المساعدة وتكنولوجيا الإبداع لتعزيز حضورهم في مؤسسات التعليم العالي. 



حول هذه القصة

قبل أيام قرأت تقريرا في “دويتشه ڤيلله” الألمانية يطرح التساؤل التالي: لماذا لم تتمكن أي دولة عربية من نقل التكنولوجيا المتقدمة إليها، رغم امتلاكها ثروات هائلة؟

26/11/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة