عندما تصبح بلاد الكفر أكثر إسلاماً!

هل تدري لماذا تحتل دول يصنفها أصحاب العمائم دول كافرة قمة قائمة الدول الأكثر التزاماً بالتعاليم الإسلامية، في حين يتذيل القائمة أغلب الدول التي تدعي أنها إسلامية؟ لفهم هذا الارتباك يلزمنا أن نلقي نظرة على الاحتياجات الأساسية للإنسان من خلال منظور علم الاجتماع. يقول علم الاجتماع أن الإنسان بطبيعته يحاول في مشوار حياته تحقيق احتياجات خمسة أساسية.

من ضمن هذه الاحتياجات:
أولاً: الاحتياج الاجتماعي Social Needs، حيث يحاول الإنسان بكل السبل أن يكون عضوا ذو دور بارز داخل مجتمعه ومحل تقدير من الآخرين. 
ثانياً: الاحترام الذاتي Self Esteem، حيث يسعى الفرد دائما لمحاولة إبراز دوره كي يشعر أن ما يؤديه لا يستطيع أن يؤديه الآخرون. 
ثالثاً: تحقيق الذات Self Actualization وهذه الحاجة تدفع الإنسان لمحاولة ترك بصمة وأثر واضح في محيطه، ويحاول تعظيم هذا الدور قدر استطاعته، ويا حبذا لو استطاع ترك بصمة في التاريخ الإنساني ككل. 

هذه الاحتياجات تقوم على أنانية وفردية إلى حد كبير، إلا أن وجود منظومة أخلاقية وقوانين عادلة وفرص متكافئة؛ تجعل من هذه الأنانية والفردية ترس يعمل بتناسق وتناغم مع باقي أفراد المجتمع مما ينعكس على تقدم وازدهار المجتمع، وهذا الأمر واضح بشدة في المجتمعات الحرة. في الأسطر القليلة القادمة سوف نحاول عقد مقارنة بين المجتمعات الحرة والمجتمعات السلطوية من خلال تأثير هذه الاحتياجات الثلاثة عليها.

في المجتمعات الحرة يُعتبر المجتمع والرأي العام رمانة الميزان الذي يضبط إلى حد ما إيقاع هذه الاحتياجات، بعكس المجتمعات السلطوية

في المجتمعات الحرة، حاجة الإنسان لأن يكون عضو بارز ومحل تقدير الآخرين تدفعه هذه الحاجة للتفاني في خدمة المجتمع بطرق سليمة قانونيا ومتزنة أخلاقيا؛ حيث الطرق غير القانونية وغير الأخلاقية في المجتمعات الحرة نتائجها كارثية وقد تتسبب في فقدانه مكانته كليا بل ووصمه بالعار إلى الأبد، بدلا من إن يكون محل تقدير واهتمام. 

أما حاجته الثانية لتحقيق الذات والشعور إن ما يؤديه لا يستطيع أحد غيره تأديته، تدفعه للبحث عن التميز والتفوق في مجاله مما يُشعل روح المنافسة في المجتمع وينعكس بشكل إيجابي على المجتمع. الحاجة الثالثة والتي تدفع الإنسان لترك بصمة في محيطه أو في التاريخ الإنساني، تدفع الإنسان للتمسك أكثر بالمنظومة الأخلاقية والعمل من خلالها والتضحية باحتياجاته الفردية في مقابل تأثير مناسب في محيطه؛ وكلما عظمت قدرات هذا الأنسان كلما سعى لتعظيم دوره على المستوى الإنساني عن طريق مزيد من العطاء.

على العكس من ذلك في الأنظمة الغير حرة أو السلطوية حيث تغيب القوانين ويحل محلها المحسوبية، وتتوارى المنظومة الأخلاقية خلف الغاية تبرر الوسيلة، وتتراجع الكفاءة لصالح الولاء للسلطة؛ يتحول الإنسان في هذا المناخ إلى وحش كاسر، يحاول إشباع احتياجاته على حساب الآخرين، فتبرز فئة من الانتهازيين والافاقين ومعدومي الكفاءة في كل واد يهيمون. هذه الفئة تبرز لأن الحسابات تغيرت؛ ففي المجتمعات الحرة يُعتبر المجتمع والرأي العام رمانة الميزان الذي يضبط إلى حد ما إيقاع هذه الاحتياجات، بعكس المجتمعات السلطوية والتي يصبح فيها قيمة المجتمع صفر أو حتى قيمة ضعيفة مهملة وغير مؤثرة في مقابل دور السلطة ذو القيمة العظمى. 

الاحتياج الأول: هذا الاحتياج يدفع الإنسان للتقرب للسلطة بكل الطرق على حساب كل القيم والأخلاق وحساب المصلحة العليا لمجتمعه ويعمل جاهدا لكسب ود السلطة التي سوف تمنحه دور بارز ما كان له أن يناله في ظل مناخ عادل وطبيعي.

الاحتياج الثاني: سوف يعظم هذا الاحتياج الأنانية لدى الفرد ويتم تصنيع نماذج من المنافقين والافاقين تتنافس بشدة مع نماذج آخرة منحطة في محاولة لنيل حظ أوفر وحظوة متفردة لن تأتي إلا بالتمادي والتنافس في الانبطاح أمام السلطة. في ظل هذا الاحتياج تنهار تماما المنظومة الأخلاقية لدى الفرد، وتتحطم القيم الدينية لديه، ليحل محلها قيم مثل النميمة والوشاية باسم الوطنية. ويصبح التنافس قائم بين هذه الفئات على محاولة استرضاء السلطة وتقديم فروض الولاء والطاعة والإضرار قد المستطاع بالآخرين. الإنسان في هذه المجتمعات يعلم جيدا أنه كلما كان قريبا من السلطة كلما كان قادرا على تأدية مهام وتمثيل أدوار لا أحد غيره يستطيع تأديتها مع ضمان عدم المحاسبة بسبب قربه ومكانته من السلطة. 

الاحتياج الثالث: هو الحاجة لترك بصمة وآثر في محيطه أو في المجتمع الإنساني، هذا الاحتياج آثاره مدمرة في المجتمعات الغير حرة. فمن الطبيعي أن الأفراد التي ليس لديها القدرة على تقديم شيء ذو قيمة سوف تحاول إشباع هذه الحاجة عن طريق قيمة كاذبة تستمدها من مدح وثناء الأفراد الأقل في السلم الوظيفي. 

يدرك هؤلاء الأفراد الأقل في السلم الوظيفي أنهم لن يكون لهم دور بارز ولن ينالوا مكانة اجتماعية إلا بكيل المديح والاطراء ونفاق الفئات الأعلى، وبذلك تكتمل سلسلة من الحلقات الميكافيلية بامتياز. من الطبيعي أن تصبح المجتمعات الحرة أقرب للتدين الحقيقي والالتزام الأخلاقي الذي هو جوهر الدين؛ بعكس المجتمعات السلطوية التي تحاول النزوع إلى مظهر التدين الخارجي في محاولة لتعويض النقص الحاد في قلب وجوهر الدين. من أهم مظاهر تراجع المنظومة الأخلاقية بل والمنظومة الدينية في المجتمعات السلطوية هو احتقار أفراد هذه المجتمعات للنماذج البهلوانية في السر بينما الاحتفاء بها في العلن مما يشجع أفراد آخرين على الدخول في هذه المنظومة الغير أخلاقية لإشباع رغباتهم واحتياجاتهم الأساسية. فلو أن المجتمع احتقر هذه النماذج ولم يعطيها اهمية ولم يحتفي بها لربما أعادت هذه النماذج حساباتها بشكل آخر، واعتدل سلوكها طلبا لرضا المجتمع كي تحقق احتياجاتها الأساسية طالما أن الدين ساقط من حساب هذه النماذج. 



حول هذه القصة

أُعجب عرب البادية بالذئب لِما رأوا من صفاته ومكارم أخلاقه، فهو لا يأكل الجيفة ولا يمكن أن يصبح أليفا حتى في الأسر بل يموت في سجنه رفضا واستعلاء عن العبودية.

14/2/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة