الدِّين وسحق المجتمع.. كيف رسّخت الهندوسية للعنصرية بين الطبقات؟

من قديم الزمان والناس تبحث عن العدالة الاجتماعية، تريد أن تعيش في ظلالها، وأن تشعر بها كبنية أساسية في نظامها الاجتماعي، وفي كل الثورات والحركات الاجتماعية كانت العدالة الاجتماعية هي جوهر ما ينادى به، في أقل المجتمعات بداوة وأكثرها تحضراً، لأنها في الحقيقة هي الأساس القويم لمجتمع يريد أن يتحرر من قيود الجهل والرجعية، ويبني حضارة مشرقة يشهد عليها الزمان، والناس عادة لا يحزنها الفقر والجهل بقدر ما يحزنها التفاوت بين الطبقات والتوزيع غير العادل للثروات.

في الهند القديمة وعندما دخل الآريون فاتحين لها وامتزجوا بالشعوب الأصلية فيها، وعبر هذا الامتزاج تكونت شعوب الهند الباقية فيها حتى الآن، إلا أنه وبعد سنين قليلة من هذا الامتزاج بدأت الطبقات الاجتماعية تأخذ مجراها في النشوء والتطور.

في البداية وبعد فتح الآريين للبلاد رفضوا الامتزاج بهذا العنصر الهندي واعتبروهم مجرد عبيد لهم وخدم، ومن الممكن أن يفسر ذلك على أساس أن الآريين قد دخلوا بلاد الهند ليسوا كغزاة بجنودهم فقط، إنما دخلوها كجماعة رُحّل معهم أهلهم وذووهم؛ فلم يكن هناك ثمة مبرر لإقامة علاقات اجتماعية بينهم وبين الأجناس الأخرى، إلا أن هذا التفسير سرعان ما يتلاشى ولا يقوى كحجة إذا عرفنا أن ثمة طبقات بالفعل قد تكونت كان أشرفها وأقواها هم طبقة النبلاء، والتي كان قوامها الفاتحين الآريين؛ ما قد يؤدي بنا إلى القول: إن الإنسان من طبيعته التميز وصناعة الفارق بينه وبين بني جنسه في كل مناحي النظم الاجتماعية والثقافية والنفسية.

أصبح هناك شبه انعزال يتراكم عبر السنين لكل طبقة من الطبقات عن الطبقات الأخرى، فكل طبقة من هذه الطبقات تحرم على نفسها الزواج من الطبقات الأخرى

تكونت في الهند القديمة وبعد عملية امتزاج الفاتحين الآريين بالشعوب الأصلية للبلاد أربع طبقات وهي: طبقة النبلاء ويُطْلَق عليهم اسم (الكشاتريا) وهم صفوة الآريين من الجند والساسة، ثم طبقة البراهمة أو الكهنة الذين أخذوا كتب الفيدا المقدسة وشرحوها وحولوها إلى شعائر وطقوس دينية وجعلوا تفسيرها حكرًا عليهم وحدهم وجعلوا هذه الشعائر والطقوس لا تقام من دونهم، ثم يأتي بعد ذلك طبقة الصناع والتجار وأصحاب المهن، ثم في النهاية تأتي طبقة الخدم والعبيد.

جدير بالذكر أنه لم يدخل في هذا الترتيب طبقة سُميت بالمنبوذين. تقول موسوعة تاريخ الأديان والتي أشرف على تحريرها فراس السواح: كان المنبوذون يمثلون حثالة المجتمع، والقذرين الذين لا يحلمون مطلقًا في صعود السلم الاجتماعي. ويقول الدكتور أحمد شلبي في كتابه أديان الهند القديمة: ولا يزال المنبوذون يعانون هذا أو أكثره حتى اليوم، فالحِرَف الحقيرة وقْفٌ أو ضريبة عليهم، ودور العلم لا تُفْتَح لهم إلا قليلًا.

على كل حال أصبحت الطبقات السالفة الذكر هي مجموع بنية النظام الاجتماعي الهندي وقوام نظامها الديني والسياسي، وأخذت الطبقات الثلاث الأولى تنأى بنفسها شيئًا فشيئًا عن الطبقة الرابعة، وأصبح هناك شبه انعزال يتراكم عبر السنين لكل طبقة من الطبقات عن الطبقات الأخرى، فكل طبقة من هذه الطبقات تحرم على نفسها الزواج من الطبقات الأخرى وتمنع التعاملات اليومية حتى الجلوس إلى مائدة طعام واحدة.

في ظل هذا الصراع القائم بين الطبقات كانت هناك عقائد دينية تسيطر على الثقافة الهندية، حتى أصبحت هذه العقائد جزءًا من منظومة الفكر الهندي. أهم هذه العقائد على الإطلاق عقيدة الكارما وعقيدة تناسُخ الأرواح، والعقيدتان مكملتان لبعضهما البعض؛ حيث إن عقيدة تناسخ الأرواح تقول: إن الإنسان عند وفاته لا تهلك روحه إنما تولد أو تنسخ مرة ثانية مع جسد آخر، ربما في جسد إنسان أو حيوان، لكن ذلك يعتمد على أفعال هذا الإنسان وأخلاقه في الحياة الأولى، وطبقًا لهذه الأفعال والأعمال التي قدَّمها الإنسان تحدد الولادة الثانية له من حيث الارتفاع أو الهبوط، وهذا هو ما يسمى في الثقافة الهندية بالكارما؛ ما يعني أن النبيل عند موته ستنسخ روحه في جسد نبيل آخر، والبرهمي ستنسخ روحه في جسد برهمي آخر وهكذا.

هذه العقائد ساعدت بشكلٍ كبيرٍ على تبرير هذا التفاوت الطبقي في المجتمع الهندي، وكانت هذه الخطوة من أولى الخطوات في التاريخ لاستخدام الأديان كوسيلة لسحق الحقوق الاجتماعية بل والأخلاقية وتغليفها بغطاء الدين.



حول هذه القصة

يسحبُون هواءنا إلى رئتيهم، ويشربون ماءَنا ثم يصنعون من دمائنا سجّادتهم الحمراء التي يصعدون من خلالها إلى منصّتهم ليمجّدوا صمودنا باسم الوطن.. يهتف المنساقون خلفهم فلتحيوا.. هم يحيون ويموتُ الوطن..

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة