مهلا.. هل عرفت معنى الحب حتى تحتفل به؟

BLOGS الحب

طريفة تلك هي القصص الغرامية للحب العفيف التي طالما استُخلصت منها دروس في العفة والطهر والصدق والوفاء، والتي دائما ما يتغلب فيها العشّاق على كل العوائق التي تعترض سبيلهم ويصمدون حتى النهاية، ولو أدى بهم ذلك إلى أن يُلقوا حتف أنفهم. مما يحمل حقا على الفضول في معرفة طبيعة هذا الحب الذي آمنت به قلوبهم وتذوقته مشاعرهم وباحت به عن صدقِ ألسنتُهم وترجمته إلى الخارج جوارحهم، فقد عرفوا حقيقةََ معنى الحب وأيقنوا بضرورة استشعار فضل من وهبهم إياه، ثم بوجوب تقديم جزيل الشكر له عن طريق تفعيل نعمة الحب في مرضاته، فراح الواحد منهم يود لو يكرس حياته كلها للخنوع والتبتل في سبيل هذا المقصد، وهذا ما جعلهم ينأون بأنفسهم أن يتخذوا من حبِّهم ذريعة لتفجير نزواتهم الجنسية فيما لم يسمح به واهب الحب سبحانه، مجسّدين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: من عشق فعفّ فمات مات شهيدا.

وإن كان هذا القول النبوي ليس متفقا على صحته إلا أن بعض أهل الاختصاص قد صحَّحه، وفيه إقرار من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن العشق قد يصل بصاحبه حد الموت، طبعا ليس الموت المتعمّد كالانتحار بشتى أحواله وأشكاله كما يقع أحيانا من بعض المتطفلين على الحب، فهذا لا يمكن لشرع ولا لعقل أن يقره، وإنما المقصود الموت الطبيعي الذي يأتي من فرط حزن العاشق ومرضه نتيجة البعد عن محبوبه.

الحب في أصله بريء كل البراءة مما علق به في هذا العصر من المجون والانحلال الأخلاقي، فواقعنا الآن يكاد يكون خالياِِ من الحب العفيف الذي يجسد معالم الفضيلة في العلاقات العاطفية بين الجنسين

وفعلا قد عرف التاريخ مثل هذه الحالات في غير ما مرحلة منه، حتى إن ابن السراج البغدادي المتوفى سنة 500 ألف كتابا كاملا أسماه "مصارع العشاق" ومن القصص الرومنسية الحقيقية التي ذكرها في هذا الكتاب -كما ذكرها غيره أيضا – قصة عروة وابنة عمه عفراء، حيث تربيا معا في صغرهما وأحبا بعضهما حبا هُيَاميّا، ولما كبرا زاد حبُّهما يكبر، وتقدم عروة لخطبتها من أبيها فأبى أن يزوجها له لأنه فقير لا مال له، وقد زوّجها على مضض منها لشخص آخر ذي مال، فلما علم عروة بذلك مرِض مرضا شديدا حار الأطباء في علاجه، فأخبرهم بأن دواءَه الوحيد رؤية عفراء، وقد بقي على حاله تلك حتى وافته المنية، فلما وصل نعيُه عفراء ظلت ترثيه وتبكي عليه حتى مرضت هي أيضا من شدة الحزن فماتت. وقد قال في حقهما معاوية بن أبي سفيان: لَوْ عَلِمْتُ بِحَالِ هَذَيْنِ الْحُرَّيْنِ الْكَرِيمَيْنِ لَجَمَعْتُ بَيْنَهُمَاْ".

والطريف في هذا الباب أنه حتى قبل مجيئ الإسلام الذي حث على الطهر والعفة في كل شيء كان الحب العفيف موجودا، وقد عُرف عند العرب باسم الحب العذري نسبة لقبيلة عذرة التي اشتهر فتيانها برقة العاطفة وصدق المشاعر، ومن العشاق العذريين عنترة وعبلة، وقد قال في وصف حبه لها: 

ولولاها فتاةٌ في الخيام مقيمةٌ 
لما اخترت قرب الدار يوما على البعدِ
مهفهفةٌ والسحر في لحظاتها 
إذا كلّمت ميتاً يقوم من اللحدِ

وقيس بن الملوح الذي اشتهر باسم مجنون ليلى نسبةً لحبيبته ليلى العامرية، وقد قال في وصف حبه لها:

أما عاهدتني يا قلب أني إذا ما تبت عن ليلى تتوب
فها أنا تائبٌ عن حب ليلى 
فمالك كلما ذُكِرَت تذوب

وجميل بن معمر الذي اشتهر باسم جميل بثينة، وقد قال في وصف حبه لبثينة:

تعلق روحي روحها قبل خلقنا 
ومن بعد ما كنا نطافاً وفي المهدِ 
فزاد كما زدنا فأصبح ناميا 
وليس إذا متنا بمنتقض العهدِ

يكفي بهذا برهنة على أن الحب في أصله بريء كل البراءة مما علق به في هذا العصر من المجون والانحلال الأخلاقي، فواقعنا الآن يكاد يكون خالياِِ من الحب العفيف الذي يجسد معالم الفضيلة في العلاقات العاطفية بين الجنسين، فحتى في عالم التمثيل نادر جدا فضلا عن عالم الحقيقة، فالأفلام والمسلسلات الرومنسية تقوم بعرض قصص مشحونة بالهوس الجنسي والخيانة والمكر والكذب، وإن كنت لا أنكر أنها بذلك تعكس ما في الواقع وتحاكيه إلا أنها من جهة أخرى لا شك تقوم بتكريس ذلك في المجتمع وتضفي عليه طابع المشروعية بل ربما دعت إليه وجعلته مقصدا من مقاصدها التوجيهية، ولم لا إن كان ذلك يخدم مصالح من وراء الكواليس ويُذر عليهم الأرباح أكثر؟ فدَوْر السينيمة وإسهامها في إفساد مفهوم الحب فاق كل أدوار وإسهامات غيرها، حتى صارت الأجيال الصاعدة تخلط بين الحب والجنس.

نتيجة لهذا ظهرت فئة من علماء الدين في عالمنا الإسلامي يحرِّمون الحبَّ ويجتثونه من أصله وأنه لا يمكن أن يحصل قبل الزواج، بل حتى بعد الزواج ليس ضروريا أن يوجد، متجاهلين أن الحب من حيث هو من الأفعال القسرية اللائرادية لا تعلق للحكم الشرعي به، وإنما يمكن أن يتعلق به من جهة قصد تعاطي أسبابه المخالفة للشرع أو من جهة ما ينتج عنه من تصرفات مخالفة للدين والأخلاق، وإلا فالحب من أشرف ما في الوجود إن فقهنا حقيقته وميّزنا صوابه من خطئه بدل تقبيحه كلّه والتنفير منه، يكفيه عظمة وفخرا أن جعله الله تعالى آية من آياته الدالة على قدرته وعظمته، حيث قال في سياق تعداد هذه الآيات: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".

ولعل من أكبر ما يصون هذا الشعور الطاهر ويحفظه من عبث العابثين هو ربطه بواهبه قبل كل شيء، ثم استشعار ضرورة شكره بالتزام الإطار الشرعي فيه، فبهذا يسترجع قداسته التي فقدها في زمن طغت فيه المعالم الجسدية على المعالم الروحية.