سيد قطب في الميزان..

مدونات - سيد قطب

استكمالاَ للسلسة التي بدأتُ بها من أسبوعٍ تقريباً، وكنتُ قدْ أشرتُ إلى ضلوعي في الحديثِ عن مجموعة من العباقرة الاستثنائيين في مُختلف المجالات، والتي ابتدأتْ بستانلي كوبريك في المجال السينمائي على وجهِ الخُصوص، وفي هذا المقال سأتحدّثُ عن عبقريٍّ جديد في المجال الأدبي الإسلامي والسياسي أيضاً، سأتحدّثُ عن الأديبِ المُجاهد سيد قُطب، فهو بلا شكّ من ثُلِّة العباقرة الذين قدّموا طرحاً جديداً يحمل في طيّاته براعةً في الأسلوب والمعنى.

  

سيّد قُطب حسين الشاذلي، وُلدَ في عامِ 1906، وفارقَ الحياة في عام 1966 إثرَ إعدامه من الرئيس جمال عبد الناصر، وذلك جرّاء تُهمة باطلة وُجّهتْ له مفادها التحريض على الدولة والمحاولة لقلبِ نظام الحكم. تأثّر سيد قطب أدبيّاً بالعملاق عبّاس محمود العقّاد كما هوَ معروف، لذلك دائماً ما يُأخذ على سيّد قطب ويُحْمَلُ عليه أدبيّته في مسألة تفسير القرآن، وأنّه ليسَ بعالم، وإنّما أديب ذو خلفيّة أدبية جمالية، وليست علميّة شَرعيّة، ولكنّهُ هو نفسه لمْ يَدّعِ باعاً في العلم، ولمْ يقلْ عن نفسه عالماً أو إماماً، وإنّما حديثه كان أشبه برواية قصة في ظلال الآيات وتحتَ كنفِها.

  

سيد قطب حَمّالُ أوجهْ، ويُأَوّل من القرّاء ويُصنَّف! كلٌّ كما يرى ويُناسب هواه، ومن هنا بدأتْ المُشكلة، وبدأَ الصراع والجدل على كتابات سيد قطب، والتيّار المعروف كانَ في السلفيّة الجهاديّة والتي تبنّتْ سيد قٌطب وجعلتْ منه أباً روحيّاً، وأصبح هو الحُجّة لهذه الجماعة، ومنهم مَنْ أصاب في اختياره وتقديمه لسيد قطب، ومنهم من تطرّف وجدّف، ولمْ يكنْ في سيد قطب من شيء، وأشعر أحياناً أنّه لو أتى الآن لقال: ماذا أحدثتم من بعدي؟

 

كتبَ سيد قطب مقالات عدّة وقدْ حملتْ عنوان "التصوير الفنّي في القرآن" ولتُصبحَ كتاباً بعدها، وقدْ كانتْ هذه بدايات سيد قطب في الحديث عن القرآن وعن جماليّته تحديداً، ولكنْ، ما هذه إلّا مسائل أدبية لمْ تُلفتْ النظر إليه من قِبل نظام عبد الناصر، لحين كتابة الإعصار المدوّي "معالم في الطريق" ومن هنا ابتدأتْ رحلة سيد قطب وكفاحه في سجون الطاغية.

   

  

مُنطلق سيد قطب في نقد المجتمعات والأنظمة كانَ واضحاً صريحاً لا يحتمل التأويل، ولمْ ينتقد الشرق الأوسط وحده، بلْ بدأ بالحديث عن الغرب المادي وعن الماركسيّة وروسيا –الاتحاد السوفيتي سابقاً- وجُلُّ كلامِه كان حول انعدام القيم بالمطلق، وكانتْ هذه الفكرة هي مطلع كتاب معالم في الطريق، فقدْ قال: "أنَّ الريادة للغرب المادي انتهت، وذلك لانتهاء رصيده من القيم"، وهذا لمْ يكن مُجرّد كلام نظري دون مشاهدات على أرض الواقع، بلْ كان نتيجة هذه المشاهدات، فقدْ ابتُعِثَ قطب إلى أمريكا لمدّة سنتين وعاش هناك وخبر الحياة، وشهدَ مواقفاً جعلته يرفض الغرب وحضارته، ومن أهمِّ هذه المواقف هو واقعة اغتيال الإمام حسن البنا، والتي لعبتْ دوراً تحوليّاً في حياة الرجل فيما بعد! وذلك لأنّه رأى سعادة الأمريكيين بخبرِ اغتياله، وبدأت تساؤلاته عن هذا الفرح باغتيال مسلمٌ عربيّ مصريّ مثله.

 

لنعود الآن إلى الفكرة وإلى العبقريّة، لنعود إلى البعث الإسلامي وإلى الريادة، ولنعود إلى الجاهليّة التي جعلتْ من سيد قطب زنديقاً في عيون الكثير! واتهامه بتكفير المُجتمعات! ولهذا قلتْ في بداية المقال أنَّ سيد قطب هو حَمّال أوجه، ولفظ "الجاهليّة" ما هو إلّا تعبير قاسي بعضَ الشيء للتعبير عن انعدام القيم التي أشار إليها قطب في مقدمة معالم في الطريق، ولا يقصد به تكفيراً لأحد، وهذا اللفظ أو المصطلح، هو لفظ غاية في العمق إنْ تمعنّت في تعريفه الحقيقي، فسيد قطب كان يرى أنَّ العبودية لغير الله صارت كالوباء ومن دون أنْ ندري، وهذا كانَ الخطر الأكبر في نظره، لأنَّ جاهلية ما قبل الإسلام كانتْ صريحة وواضحة ويسهل رؤيتها ومحاربتها والتعامل معها، ولكنَّ جاهلية العصور الحديثة هي جاهليّة قيم وأخلاق، جاهلية تسيير قطيع في كافة مجالات الحياة، جاهليّة مُبطَّنة فتكت بالعوام، لهذا كان من الضروري أنْ يتكلّم عنها ويُوضّح ما هي وكيفية التعامل معها بجعلِ الحاكمية كمصطلح ثانٍ في نقده هذا.

  

مصطلح الحاكميّة باختصار هو تحكيم الحياة بجميع تفاصيلها إلى الله ورسوله، وعبقريّة قطب كانتْ في سلاسة الأسلوب وجماليّة العبارات والوصف في التأصيل لهذه الحاكمية وهذا ما نراه في ظلال القرآن، فكتاب معالم في الطريق هو أشبه بمقدّمة للظلال، فالكتاب يعلو فيه المنطق على الجماليّة، أّمّا الظلال فهو جماليّة بحتة، تعيش فيها مع القرآن بخيالك، فقدْ جعل قطب من الظلال أقرب إلى رواية وأحداث، فعبقريّة قطب في نظري تكمن في جعل القارئ يعيش الأحداث ويتخيل، والتالي يُقنعه فيما يقول، وكان يُسقطُ كلَّ آية على الواقع ليُدرك القارئ مدى الضياع الذي نعيشه، أو الجاهليّة كما أطلقَ عليها هو.

 

قال سيد قطب بسقوط الغرب لانعدام القيم في محيطه، وقدْ قال نيتشه نفسَ الكلام ولكنْ من منظور عدمي، فالأوّل يريدُ إسلاماً يقود الغرب الفاقد للقيم، والثاني لا يريد شيئاً

من الأمور الأساسية عن قطب هي ما سمّاه بالعُزلة الشعورية، وقدْ عاشها هو بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وقدْ قال في هذا المصطلح: "حين نعتزل الناس، لأنّنا نحس أننا أطهر منهم روحاً، أو أطيب منهم قلباً، أو أرحب منهم نفساً، أو أذكى منهم عقلاً، لا نكون قد صنعنا شيئاً كبيراً، اخترنا لأنفسنا أيسر السبل، وأقلها مؤونة. إن العظمة الحقيقية أن نخالط هؤلاء الناس، مُشْبَعين بروح السماحة، والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم، ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع، إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا، ومثلنا السامية، أو أن نتملق هؤلاء الناس، ونثني على رذائلهم، أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقاً، إن التوفيق بين هذه المتناقضات، وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد هو العظمة الحقيقية".

 

قامَ جدلٌ عريض بخصوص هذا المصطلح، واتهموا قطب بأنّه يدعو لقطيعة المُجتمع ورفضه وإقصاءه، ولكنْ، هل كلّ من قال هذا قرأ ما كتبه قطب، فعباراته صريحة وواضحة وليسَ فيها دعوة لقطيعة أو ما شابه ذلك، بلْ بالعكس، هو قدّم المسألة بأحد الحلول المتوقعة عادةً، ومنْ ثمَّ أردف يُوضّح أنَّ هذه العُزلة فيها شيء من الانهزامية والانبطاح، وأنَّ علينا الانخراط في المجتمع والتغيير، وأظنُّ أنَّ العزلة الشعورية هذه أثّرت على الحركات الإسلامية وعلى رأسهم الإخوان المسلمين فيما يتعلّق بإقصاء ورفض أو طرف مُخالف، معْ أنَّ قطب لمْ يدعو لهذا ولا أعلم كيف أوّل النّقاد كلام قطب على هذا الشكل، ولكنّي أرى أنَّ الخصومة هي التي جعلت من نُقّاد سيد قطب يفجرون فيها، ويُأولون كلامه بشكل سيء، ويُقدّمون له قائلين: قطب وتكفير المُجتمعات، قطب والسلفية الجهادية، قطب وقتل المدنيين.. وكُلُّها عناوين هدفها إسقاط الرجل، فهي حملة ممنهجة.

 

لطالما قلتُ أنَّ سيد قطب قسى بعضَ الشيء في نقده ودعوته، ولمْ يُوفّقْ في انتقاء بعض المُصطلحات، ولكنّها ليست كفيلة بجعلِ الرجل شيطاناً يا بشر، فهو على النقيض من ذلك تماماً، فهو أديب مُقتدر، عبقريّ الأسلوب وتخطيط الأحداث، وجعلها حياة تُعاش! وهذا لا يكفيه حتّى، فسيد قطب من هؤلاء الذين التقطوا روح العالم –على حدّ تعبير هيغل- وهنا سأوضّح الجزء الأهمّ من مقالي، وقدْ أكون مُخطئاً، ولكنْ لا بُدَّ من ذكره، فقراءتي لسيد قطب، جعلتني أجدْ وجهاً للشبه بينه وبين الفيلسوف الألماني نيتشه في مسألتين، الأولى: مثاليّة نيتشه ومثاليّة قطب، وعلى اختلاف التوجه طبعاً، ولكنَّ الكتابة في هذه المثاليّة والحماس لها متشابه عن الرجلين، وأمّا المسألة الثانية: فهي في التنبؤ بسقوط الغرب، فقدْ أشرتُ لهذا في البداية، فقدْ قال سيد قطب بسقوط الغرب لانعدام القيم في محيطه، وقدْ قال نيتشه نفسَ الكلام ولكنْ من منظور عدمي، فالأوّل يريدُ إسلاماً يقود الغرب الفاقد للقيم، والثاني لا يريد شيئاً، فهو فقط أشار لطريق العدمية للغرب، وأنَّ الغرب تسير في هذا الطريق العدمي، فكلاهما راهنَ على هذا السُقوط باختلاف التوجّهات طبعاً.

 

في الختام، كان هذا المقال مُحاولة لإنصاف سيد قطب، وأشعرُ أنّني لمْ أقل الكثير، ولكنّني ركّزتُ على أساسيّات الفكر القطبي، وأنَّ قسوة قطب في بعض كتاباته نوع من ردّة الفعل على ما واجهه من ظلمٍ واضطهاد من أحد طُغاة عصره، ولعلّه في ظروف مختلفة لكانَ أكثرَ ليناً ولُطفاً، ولكنَّ ظروفه أخرجتْ طرحاً كانَ لا بُدَّ من قوله، وذلك كيْ يفهم البشر ويستوعبْ كميّة الظلم الممارس من الأنظمة بشكلٍ عامّ، وأنَّ التهاون في قول الحقّ ضربٌ من الجنون والضعفِ أيضاً، إنَّ سيد قطب إنسان وقامة أدبيّة فارعة، جعلتْ من الكثير يهيمون حُبّاً في كلامِ الله، وجعلتْ منهم عباداً صالحين يُزكون أنفسهم، يبدأون بها ويعملون على تقواها، قبلَ أيّ شيء، فدعوكم من الكلام البالي، ومن كلام التكفير والعنف، وكفاكم تشويهاً لصورةِ رجلٍ عرفَ من الإخلاص قدراً عظيماً، وكانَ رزقاً مبيناً من ربِّ العزّة، نلمسه الآن ونلمس إرثه.