الجزائر بين التناقض والإنغلاق السياسي

كُلّما حلَّ الظّلام

جدّتي تروِي الأساطير لنا

حتّى ننامْ.

جدّتِي مُعجبة جِدّا

بِأُسلوب النِّظامْ

أحمد مطر

  

بواكر العام الجديد 2019، تدخل الجزائر ما يُسمّى بمُفترق الطّرق والذي ربما يبدوا للعيان ؛ أي للفرد الجزائري على إختلاف طبقته الإجتماعية أو الإقتصادية أو الثّقافية أن هذا المُفترق يُفضي إلى عدّة مصائر، أو ينفصل في نهايته إلى سُبل تختلف باختلاف الشّروط أو المحطّات التي تتضمنها مسافة كل من تلك السّبل، عُهدة خامسة للرئيس السّابق والغير الشرعي استنادا إلى الدستور الجزائري المعدل عام 2016 وبالتحديد المادة 102 منه والتي جاء فيها : "إذا استحال على رئيس الجمهوريّة أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبا، وبعد أن يتثبّت من حقيقة هذا المانع بكلّ الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على البرلمان التّصريح بثبوت المانع".

 

وتشير المادة في بقية فقراتها إلى أن رئيس مجلس الأمة يتولى رئاسة الدولة بالنيابة لمدة لا تزيد عن 45 بعد إعلان البرلمان ثبوت المانع، أما في حالة استمرار مرض رئيس الدولة بعد ذلك، فذلك يعني استقالته ثم شغور منصبه الذي يتولاه رئيس مجلس الأمة من جديد لمدة لا تزيد عن 90 يوما، تنظم خلالها انتخابات رئاسية لانتخاب رئيس جديد. أما السّبيل الثّاني فهو فوز الرئيس – الغير شرعي – السّابق المُرشّح من طرف أحزاب الائتلاف والذي يليه مباشرة عملية انقلاب عسكرية والتي تُطيح به وبالشّرعية المُزيّفة لحُكم هذا الأخير، والسّبيل الثالث وربّما الأخير والمُستبعد هو فوز أحد المُترشّحين الآخرين سواء تعلق الأمر بالأحرار أو المُتحزّبين والإطاحة بحكمهم من قِبل المؤسّسة العسكرية أيضا.

  

من يُطالب بالديمقراطية يجب أن يكون عارفا لواقعه ومُلمّا بأسباب تفسّخه، ومُبادرا لتغييره انطلاقا من وعيه ذاك

إن الذي يسبر غور هذه السّيناريوهات يرى بأنها تؤدي – كلّها دون استثناء – إلى مصير واحد ومآل واحد مُغلق، إما رئيس غير شرعي دستوريا تقوده حكومة ظل والمؤسسّة العسكرية وإما رئيس جديد يُعيّن لا دستوريا أيضا ؛ بعملية انقلابية تتحكم به المؤسسة العسكرية والتي تستلم كل زمام التّحكم وسلطة اتخاذ القرارات التّنفيذية بدل حكومة الظل والتي سيُهمّش دورها والمُشكّلة من قياديّي أحزاب الائتلاف المُوالين للحكومة الفرنسية المُنتخبة على اختلاف الحزب الذي يحكمها، يميني متطرف أو محافظ، يساري متطرف أو محافظ… لا يهم ؛ المهم أنه لن يحدث فصل المؤسسة العسكرية عن المؤسسة السّياسية ومنه لن يتغيّر الحال السّياسي بعد الانتخابات الرئاسية القادمة وسيبقى على حاله فقط مع تغيير بعض الأسماء التي تتخذ مكان لها على خشبة مسرح الواقع السّياسي فقط، رئيس جمهورية، رئيس الحكومة، وزراء، بعض قياديي أجهزة الأمن العسكري والمدني.

 

أما عن التغيّر الحقيقي فلن يحدث بانتخابات تتلفع صفة الشرعية في ظاهرها ولكنها ليست سوى تظاهرة روتينية تُقام وتُنظّم لإضفاء الطّابع الديمقراطي أمام الشّعب الجزائري أولا والمجتمع الدّولي ثانيا ولن تبقى الجزائر إلا مجرد " بورجوازية عسكرية، أو أرستقراطية.  هذا عن الانغلاق، أما وإن أُريد التّحدّث أو التّطرق إلى مُصطلح " التّناقض الشعبي السّياسي " فيجب أولا ذِكر ما قاله الفيلسوف الإغريقي " سقراط " عن الديمقراطية والذي عُرفت فلسفته ومنهجها بالتّركيز على مفهوم الإنسان، والأخلاق والمجتمع، حيث نقل الفلسفة من مفهومها ومنهجها الطبيعي أو السّمائي إلى الأرض إلينا نحن ملح الأرض كما يصفنا المصور البرازيلي " سيباستياو سالغادو " فقال فيما معناه : أنه يجب أن يكون الشّعب تنويرياّ، واعيا، لتُحقّق الديمقراطية هدفها، وإن هذا شرط أي – التّنوير – أساسي ليُشارك الشّعب على تحقيق والمحافظة على السّيرورة الديمقراطية.

 

إن من يتمعّن ويعِش وسط أفراد المجتمع الجزائري وخاصة أولئك الذين يُصنّفون ويُعتبرون من مصاف النّخبة أي المُثقّفون، أو الأكاديميّون الجُدد، وأقصد بالجدد أي الذين يتشكّل بناءهم الفكري من لبِنة المناهج الدّراسية الرّسمية فقط أي ليسوا مثقّفين وتنويريين لأنهم أصحاب شهادات، يجد المُلاحظ لهذه الفئة أنها تتميّز بركود سياسي عملي، حيث تجد حركات الطّلاب، خاصة القادة لهذه الحركات الطلابية لا يمتلكون الرصيد الثقافي الكافي ليكونوا محلّا وكُفئا لتلك المناصب التي يتنبؤونها وربما والأكيد أنهم أصحاب مصالح فقط وربما مجرد " نكرات " وُضعت هناك لِملأ تلك المناصب التي تُعبر عبر التاريخ السّياسي العالمي الألق الأول للوهج الذي تُحدثه الثّورات المُجتمعيّة.

 

أما عن أولئك الذين يُعتبرون الموارد البشرية للقطاع الإعلامي والصّحفي – الصّحفيين ورؤساء التّحرير للجرائد والمجلات -، فقد أصابهم ما يُسمّى بانقلاب سُلّم القِيَم ؛ أي الإنشغال بما لا يخدم القضية الشّعبية السّياسية الوطنية وجعل من توافه الأحداث قضايا للرأي العام، والذي دفع بالشعب الجزائري أو الطّلاب الجزائرييّن بعيدا عن أصل التّدهور الحضاري بمختلف أطوراه – السّياسي، الثقافي، التعليمي، العدالة الاجتماعية وغيرها – ومن يُطالب بالديمقراطية يجب أن يكون عارفا لواقعه ومُلمّا بأسباب تفسّخه، ومُبادرا لتغييره انطلاقا من وعيه ذاك، فيحدث للطّبقة المثقّفة أن تقع في التّناقض وهي ترى كرامة وطنها تُغتصب، فيحتجّون في صمت داعين اللّه أن يُفرّج عن كرب هذا الوطن وهم مثل النّصب الصّم، البكم، العُمي.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة