"ماري كولفين".. قصة ملهمة تعرض العدالة على هامش الجريمة الكبرى

في حضرة جريمة كبرى، أشبه ما تكون بقصة تراجيديا سينمائية، صوّرت في مسلخ بشريّ، يقتل فيل الإنسان يومياً بأعتى أنواع الأسلحة ذبحاً وقصفاً وتعذيباً، لم يستثنِ طفلاً، شاباً، أو سيّدة، ولا حتى صحفيّة أجنبيّة عبرت القارات وآلاف الأميال بحثاً عن الحقيقة، أو بعبارة أصحّ لإظهارها للعالم المتعامي عنها، صحفيّة قتلها صاروخ مع زميلها المصوّر في حي باب عمرو في مدينة حمص السوريّة عام 2012 أثناء تغطيتها تفاصيل حصار الحي والدمار الواسع الذي ألحقته آلة النظام العسكريّة، جريمة دون أدنى شكّ تفصيل صغير من مجموع الجرائم الممنهجة والهمجيّة إلّا أنّها حملت رسالةً إنسانيّة نوعيّة، عن سيّدة آمنت بقضايا الإنسان وقاومت حتى الموت، بين 28 ألف مدني رفضت تركهم والانسحاب فارةً بحياتها ورصيدها المهني والإنساني الحافل بالمواقف النبيلة، في ذاك الحي المحاصر.

 

عدالة جزئيّة متأخرة

مع نهاية شهر كانون الثاني من العام الجاريّ، أصدرت محكمة في مقاطعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية، حكماً بتغريم نظام بشار الأسد بقيمة 302 مليون دولار، محمّلةً إياه مسؤولية مقتل الصحفيّة الأمريكيّة "ماري كولفين" برفقة زميلها المصوّر الفرنسي "ريمي أوشليك"، وذات الحكم القضائي اتّهم النظام بتعمّده استهداف الصحفيين، بهدف إسكات الحقيقة.

 

هكذا هو حال العدالة الغائبة تماماً عن المشهد السوريّ، جزئيّة وتأتي على دفعات بقرار إدانة من هنا، وعقوبات من هناك، وكلها تدور في فلك الإيقاع في المجرم، لكن لا خطوات عمليّة باتّجاه الحساب العادل، إذ أنّنا نتناول جريمة وقعت عام 2012 بقصف النظام للمركز الإعلاميّ وقتل الصحفيّة الأمريكية والمصوّر الفرنسي، ومن رافقهم حينها من أبناء الحيّ، وبعد أربع سنوات حرّكت شقيقة الضحيّة "كولفين" القضيّة من جديد، وبعد ثلاث سنوات من ذلك، جاء قرار المحكمة بغرامة ماليّة ضد النظام في سوريّا، هذا ما يمكن أن ندعوه بـ"عدالة جزئيّة" على هامش جريمة كبرى ما زالت مستمرة على المذبح السوريّ.

  

    

هكذا تعاطى السوريون مع العدالة

من ذاك المكان المظلِم، الطابق الذي اتخذته "كولفين" مع نشطاء حي بابا عمرو المحاصر مركزاً إعلامياً، حيث غطى الظلام ملامحه المتعبة المتهالكة، وأخفى جدرانه الكالحة، خرجت "كولفين" في مقابلة مع تلفزيون (cnn) الأمريكي، تحت وطأة القصف المستمر على مدار الساعة، تحكي فيها عن معاناة المحاصرين في الحيّ، واشتداد طوق الحصار وكثافة القصف، وجوع الأطفال والبرد، لم تكن الهزّات والانفجارات التي يحدثها القصف على الحيّ بين الجملة والأخرى، يؤثر على نبرتها الرصينة في نقل الحقيقة للملايين المتابعين مباشرةً للمداخلة.

 

هذا المشهد المؤثر من فيلم "حرب ماري كولفين الخاصة" الذي تداوله السوريون على مواقعهم الشخصيّة تخليداً لذكرى "كولفين" وفرحاً بالعدالة المعلّقة سبع سنين من وقوع الجريمة، التي بقيت خالدة على جدران وشوارع الحيّ، حيث مجرى دماء الصُحفيّة عليها، خالدةً حتى بعد دخول "تتار العصر" إليه، فرحٌ أبداه السوريون على وقع عدالة مجزأة، كقطرات مياه تمايلها النسائم لتائه في صحراء قاحلة، توقظ له الأمل بالنجاة، كما توقظ للسوريين الأمل بتحقق العدالة الكبرى، بمحاسبة المسؤول الأوّل عن الجرائم المرتكبة بحق السوريين.

 

ماذا تعنى "ماري كولفين"؟

حقيقةً، لسنا أمام صحفيّة شُجاعة، ضحّت من أجل قضية السوريين وحسب، إنّما صحفيّة آمنت بالمهنة بمسيرة مقاومة طويلة، نغّصت حياتها الخاصة بالكوابيس والتخيلات المرعبة والاضطرابات النفسيّة من هول المشاهدات خلال سنوات التغطية الصحفية فضلاً عن مخاطر عرضت حياتها للفناء مرّات ومرّات، بدءاً من سيرلانكا إلى العراق فأفغانستان، وأخيراً سوريّا.

 

مسيرة وصمت في وجهها، قطعة جلد سوداء غطّت عينها، عيّرها أحدهم، له موقف سلبي من دخول صحفيّة أجنبيّة حيّ سوريّ، فوصفها بـ"العورة"، بتفنيدٍ يشبه ردّ رأس النظام "بشار الأسد" في مقابلة له مع محطة أمريكية، بقوله: "لأنّها دخلت البلاد بشكل غير قانونيّ فهي مسؤولة عن كل ما حدث لها"، إّنها العوراء التي شاهدت الحقيقة كاملة، ونقلتها للعالم كاملة، دون تحريف وبأمانة مطلقة، على خلاف كثير من مُبصرين، أعمى موقفهم اللا أخلاقي من رؤية لو جزء فقط من الحقيقة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة