شعار قسم مدونات

ما يهذي به عقل المغترب حول تربية الأبناء

blogs الأب

بعد أنْ تشاجر أبو سليمان مع ابنه الأكبر الذي خطتْ على ذقنه بعض الشعيْرات البارزة مؤخرا حين أتم السابعة عشر من عمره، قال لولده ناصحا: "أنا والدك وأكثر حرصا على مصلحتك، وأكثر إلماما بما لا تعرف عن الحياة في هذا البلد، وإني أخشى عليك من رفقاء السوء هؤلاء الذين بدأت بالخروج معهم منذ بضعة أسابيع، لقد تغير سلوكك كثيرا منذ أنْ عرفْتهم". اكفهر وجه سليمان بالمزيد من الغضب وأمسك بمقبض الباب مستعدا للخروج من المنزل، وقبل أن يغادر علا صوته في وجه أبيه قائلا:" دعوني وشأني، لم أعد طفلا وأستطيع تمييز الصواب من الخطأ، وأستطيع أن أتدبر شؤوني بنفسي".. واستهم بالرحيل فتذكر أن يقول: "بالمناسبة، لا يعجبني الاسم الذي اخترْته لي، سأقوم بتغيير اسمي قريبا.. سأسمي نفسي (مايكل) كما ينادونني أصدقائي".. وخرج ناقما متمردا بعد أن أغلق الباب بقوة.

 

شعر أبو سليمان بثقل يطبق على صدره وتضاءل منسوب الهواء الداخل إلى رئتيْه واستحكم الصداع من رأسه، فخرج إلى فناء المنزل يلتمس بعض الهدوء مصطحبا فنجان قهوته الذي لم يهنأ بشربه ساخنا عندما أعدتْه له زوجته.. نظر إلى الأريكة المريحة ولكنه فضل أن يجلس على الكرسي الخشبي العتيق الذي لطالما حاولتْ أم سليمان إقناعه بالتخلص منه فكان يرفض باستمرار ويخبرها أنه الكرسي الأول الذي استطاع شراءه بالقليل مما ادخر بعد أنْ هاجر إلى هذا البلد قبل خمسة وعشرين عاما.

 

ينظر إلى السماء التي اكتحلتْ بالسواد، يرجع رأسه إلى الوراء ويتنهد مراجعا نفسه باستياء وحنق؛ محاولا إعادة النظر فيما إذا كان قرار الهجرة الذي اتخذه وتمسك به – دون التفكير بالعودة للاستقرار في وطنه الأصلي طوال هذه السنوات – صائبا أم لا. يرتشف طعم قهوته المر.. ويسترجع ذكرياته المليئة بالكد والضجر.. كان شابا قويا طموحا محبا للعمل.. تخرج من كلية الهندسة المدنية بعد أنْ كابد والداه لدفع تكاليف دراسته وهو الابن الأوسط لعائلة تقليدية بسيطة مكونة من اثنيْ عشر فردا.. أمضى بعدها خمسة أعوام باحثا عن عمل.. كان شغفه يذوب كشمعة أحرقتْ من طرفيْها كلما تقدم لوظيفة خاصة أو حكومية ولم يحصل عليها لأن عرف السلطة والمحسوبية أقوى من قانون الكفاءة والأحقية المهنية في بلده. نهشتْ البطالة من روحه الدؤوبة وقوضتْ حماسه الفتي حتى ضاق به الحال وقرر أخيرا الهجرة إلى هذا البلد الأجنبي.

 

يحاسب نفسه مرة أخرى؛ هل أحسن تربيتهم؟ لقد حاول أن يغرس في نفوسهم القيم الصالحة منذ الصغر، حرص على أن يأخذهم للصلاة في المسجد كل جمعة وعلمهم القرآن وتفسير معانيه

لم تكنْ السنوات الأولى هنا رحيمة ومعطاءة كما كان يظن.. بلْ كانت قاسية وموحشة له كمهاجر حديث العهْد بكآبة الغربة.. لا يغيب عن ذهنه مرارة ليال طويلة افترش فيها بعض قطع من اسفنج مهترئ – وجدها ملقاة على حافة الطريق – لينام في المستودع الخلفي لمحطة المحروقات التي عمل بها في بداياته. كان برد الشتاء يشعره بأن أطرافه مبتورة وما من شيء يدفئه سوى صورة والديْه التي كان يحتفظ بها في جيْب معطفه البالي. توالتْ مقتطفات من الذاكرة في مخيلته لمختلف الأعمال والمهن التي عمل بها في غربته من سائق أجرة وموظف استعلامات وساعي بريد ونادل مطعم، حتى استطاع بعد سبعة أعوام أن يحصل على عقْد عمل مرموق في مجاله الهندسي مكنه من أنْ يقبل على الزواج ويبدأ ببناء أسرة. ينظر إلى نفسه وأحواله الآن.. كم عوضه الله بكرمه وفضله عما لاقاه في شبابه.. فبعد أنْ كان خاوي الوفاض؛ ها هو اليوم يعيش في استقرار مادي ومعنوي واجتماعي، يسكن منزلا جميلا في حي أنيق، ويتمتع برخاء معيشي وحياة طيبة في هذا البلد الغربي.

 

ينصف نفسه ويقول: "ما جئْت إلى هنا إلا هاربا من القهر الذي طوق عنقي بأغلال من عوْز مقْفر في بلدي.. ما جئْت إلى هنا إلا حالما بحياة كريمة أرتضيها لنفسي ومن ثم أولادي".. يثني على قراره آنذاك.. ولكنه يبتلع ريقه بغصة حين يرى فلذة كبده الأكبر يتنصل شيئا فشيئا من تعاليم دينه وموْروثاته العربية الأصيلة لاهثا بطيْش أهوج وانقياد الصحبة المبهمة خلف كل أطواق الحداثة المعاصرة، مهووسا باتباع وتقليد نمط الحياة الغربية.. لم يكن أبو سليمان يوما من المهاجرين المنغلقين على ثقافتهم العربية بحجة الحفاظ على الهوية؛ وإنما كان نهجه متقبلا لتعلم ما هو مفيد وحري بالتجربة من الشعوب الأخرى في هذا البلد متعدد الثقافات في إطار لا يخالف المبادئ الدينية، وهو ما أنشأ عليه أبناءه الخمسة.

 

يحاسب نفسه مرة أخرى؛ هل أحسن تربيتهم؟ لقد حاول أن يغرس في نفوسهم القيم الصالحة منذ الصغر، حرص على أن يأخذهم للصلاة في المسجد كل جمعة وعلمهم القرآن وتفسير معانيه، ربط آداب الحديث والأخلاق وإحسان المعاملة بفضائل الإيمان وأحاديث النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. "والله لا أجد نفسي أو زوجتي قد قصرنا في تربيتهم، قمنا بواجبنا كوالديْن من رعاية وتنشئة وتوجيه على الدوام".. ينْصف نفسه ثانية.. ولكنه يغمض عينيه ويتمتم.. "كم هو مؤلم أن يضطرك ولدك الأرعن أنْ تراجع نفسك وقراراتك وتربيتك بعد أنْ شارفْت على أواخر الخمسين "واشتعل الرأس شيْبا"..

 

تجتاحه الشكوك مرة أخرى في الإبقاء على قرار الاستقرار في هذا البلد حين تأتي إليه ابنته سمية ذات الرابعة عشر من العمر لتخبره بما تشعر به من حرج وابتئاس تجاه تهكمات صديقاتها اللاتي يتهزأْن بمظهرها "الأبله" – كما يصفْنها – لأنها ترتدي الحجاب. يطيل النظر مليا فيما يتلصص به أثر الثقافة الغربية في الأبناء.. إنها الحرية المفرطة والحق في اختيار أسلوب الحياة والانفصال عن الأهل والاستقلالية المطلقة عند بلوغ الثامنة عشر التي يزرعونها في فكر الأطفال منذ نعومة أظافرهم، يتخلله تأثير الأصدقاء الذي يفوق تأثير الوالديْن خاصة في مرحلة المراهقة والتي يثور فيها كيان الأبناء قارعا ناقوس الخطر رغبة منهم في الخروج عن رقابة الأهل واندفاعا نزقا لتجربة كل شيء.

 

"تجربة كل شيء.. هنا تكمن المشكلة".. يراوده هذه الوميض.. إن هذا المجتمع المفتوح يعري كبائرا عدة في مفاهيم الحدود الشرعية – كالزنا والقمار وشرب الخمر والمثلية الجنسية – من فداحتها باعتبارها حقا قانونيا متاحا لكل فرد في هذا البلد. وهنا تكمن الخطورة على الأبناء باعتبارها حقا عاديا بسيطا في المجتمعات الغربية، فبرغم أنه لا يمكننا الإدعاء بانعدام مثل هذه الكبائر في بلادنا العربية، إلا أنها – على الأقل – تبقى موجودة في الخفاء ومذمومة في حدود الشرع والنظرة المجتمعية في عالمنا العربي والإسلامي.

 

يخوض أبو سليمان معضلة فكرية لا يعلم فيها كيف يتخذ قرارا؛ هل يترك استقراره المادي والمعيشي هنا ويعود إلى بلده في سبيل الحفاظ على الأبناء ضمن إطار القيم والتعاليم الدينية في مجتمع محافظ، أم يبقي عليهم هنا حالما لهم بمستقبل أفضل ومستكملا للنصح والتوجيه والإرشاد لعل له حسن الأثر في نفوسهم؟ إنه الآن كمن يحاول أنْ يفاضل ما بين تبني عقلية رجل الإطفاء الذي يسعى لإخماد الحريق لا آبها بما احترق وإنما خشية التهام النيران لكل ما هو مجاور، أو تبني عقلية المزارع الذي يؤمن بأن بذرته خيرة وإنما يتوجب عليه نقلها من تربة قاحلة ومناخ عاصف شديد إلى بيئة خصبة لتنبت له نباتا نضرا طيبا؟

 

يقطع رنين هاتفه حبْل أفكاره، يرد على أخيه الأصغر عبد الرحمن الذي تزوج مؤخرا وازدادت أعباؤه المادية وأخذ يضجر من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية في بلده الأم، وبدأ يستجدي أبو سليمان بأنْ يساعده في تقديم أوراق الهجرة.. يعده أبو سليمان خيرا.. يستذكر نفسه في شبابه فلا يلوم أخاه على اندفاعه هذا.. ولكنه يخشى أنْ يخبر أخاه بما يهذي به عقله فيستنكر له تثبيط عزيمته.. يقرها في نفسه ويقول "ليتك تعلم يا أخي ما يجول في خاطري الآن.. ليتك تعلم أنني اكتشفت متأخرا أن ثمن الهجرة باهظ جدا أكثر مما كنت أتصور.. إنها جزية محتالة غير مرئية تساومك على أبنائك شئْت أم أبيْت".