"الشيباني".. رواية عالية السعرات الحرارية

blogs الشيباني

يحدث أن أُدعى إلى تناول وجبة غذاء لأجد نفسي فجأة أمام وليمة يتوسطها طبق رئيسي وتحيط به أطباق جانبية ومقبلات تنافسه على لفت الأنظار وإسالة اللعاب. هذا الكرم الحاتمي على موائد الطعام لا يختلف كثيرا عن سخاء "الشيباني" في الجود على قرائه بأكثر من طبق روائي إلى جانب الوجبة الأساسية، فهي روايات في جنبات رواية. 

 

ترافقت أنا و"الشيباني" في أزيد من مائتين وستين صفحة تنقل فيها بين موريتانيا والسنغال ثم قطر وأخيرا إلى موريتانيا. وبين المبتدأ والمنتهى في رحلة الداه ولد المختار الشيباني الهارب من جنرال عسكري مستبد تكشفت أمامي الأطباق المغلقة لتثير شهيتي على الاستزادة وعدم حسبان السعرات السردية.

 

تتقدم هذه الأطباق الخلافات بين السلفية والصوفية وتلتصق به أدبيات الجامية المدخلية في طاعة الحاكم وعدم جواز الخروج عليه لتتوارى خلف ذلك علاقة تعاونية بين هذا التيار السلفي وأجهزة المخابرات هدفها تثبيت كرسي الحاكم مقابل ترك هذه الجماعة تلهو في فقه الطهارة. 

 

إذا كانت أدبيات القومية العربية تتحدث عن عوامل كثيرة تجمع العرب من الخليج إلى المحيط فإن أول ما تجاهلته وأكثره ملاءمة هو الانقلابات والاستبداد والفساد والسجون والتعذيب وتهم الإرهاب الجاهزة لسوق الأبرياء إلى حبل المشنقة

يحضر الطبق الخليجي الدسم على مائدة "الشيباني" ابتداء من حقوق العمال الأجانب المهدورة أرواحهم، واقعا ومجازا، أسفل الأبراج الشاهقة بما ذلك استمرار نظام الكفالة الذي يخالف أدنى شروط حقوق الإنسان وصولا إلى "الخروجية" أو إذن الخروج الذي يصدره الكفيل في كل مرة يغادر المكفول فيها البلاد.

 

أما التباين إلى حد التناقض بين عالم ناطحات السحاب وبين الأحياء التراثية الشعبية يطال أيضا اختلاف الألسن والثقافات في مجتمع هجين بابلي اللغات والخلفيات الاجتماعية بعيدا عن أي تناغم وانسجام. دسامة الوجبة الخليجية لدى "الشيباني" تدفعه إلى مقاربة التمييز العنصري في الخليج وكذلك دونية المرأة أمام الرجل، سواء كانت المرأة زوجة خليجية أم أنها عاملة فلبينية حملتها أمواج الفقر في بلدها للعمل بشرف لا للاستعباد بأوجهه المختلفة بما ذلك العبودية الجنسية.  

 

هذا الصحن العامر بالحكايات الآتي من بلاد البهارات وجوارها يتشابه من حيث الرائحة والمذاق المر مع التمييز العنصري القبلي وواقع المرأة في موريتانيا. فالتفاخر بالأنساب وانعكاس ذلك على تمييز مجتمعي ما زال يخيم على مدن وبلدات موريتانيا الحاضرة بريفها وعشوائياتها ونواكشوطها بين دفتي الرواية. وتحضر الطقوس المختلفة من الأفراح إلى الأتراح وصولا إلى باحات الجامعات وقبل ذلك المحاضر التعليمية بأكواخها وجلسات الأتاي أو الشاي الأخضر ذي الرغوة البيضاء.

 

وبالحديث عن المحضرة الأشبه بالـ"الكُتاب" أو المدرسة الشعبية، تفوح رائحة تشير إلى تميز هذا النظام التعليمي البدائي مقابل الأنظمة الحكومية "الحداثية" وسط إشارة إلى توجه أكاديمي عالمي لتحويل البرامج التعليمية إلى ما يشبه نظام المحاضر. ويتصارع على مائدة "الشيباني" الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني في حلبة نقاشية عن الشباب وثقافة القراءة. 

 

وإذا كانت بلاد شنقيط، بدراعاتها وملاحفها، تشتهر بأنها بلد المليون شاعر فإنها تنافس أيضا على لقب بلاد الانقلابات التي يفشل أحدها بين سطور الرواية لتفتح أبواب المعتقلات وتبتلع الصالح والطالح بتهمة الإرهاب، وهل هناك غيرها!

 

إذا كانت أدبيات القومية العربية تتحدث عن عوامل كثيرة تجمع العرب من الخليج إلى المحيط فإن أول ما تجاهلته وأكثره ملاءمة هو الانقلابات والاستبداد والفساد والسجون والتعذيب وتهم الإرهاب الجاهزة لسوق الأبرياء إلى حبل المشنقة. عندما أهداني أحمد فال ولد الدين "الشيباني" خط بقلمه عبارة "لعلك تجد فيها ما يطرب ويمتع". لقد فاته أن يضيف فعل "ويُسمن" فهي رواية متوسطة الطول غنية بالسعرات الحرارية، أفريقية الهوى، خاتمتها صادمة غير رومانسية.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة