تأملات غريب من نافذة المقهى

blogs مقهى

من نافذة المقهى تغدو حبات المطر المتساقطة من السماء المستقرة في الأرض، بعد أن لامست تلك الحبات قدود الجميلات في الأزقة والطرقات مشهد يختزل روعة الكون بأبهى صورة تتجلى تحت المطر، يرافقها أغاني أم كلثوم بصوتها الشجي، تفتح جراحات الماضي، فهي تغني على وتر الماضي وجراحه، بجوار المقهى عجوز في عقده السادس من البؤس، يدخن سكارة ليخفف بها عن خيبات الماضي والحاضر، وليكون اكثر تقبلاً لبؤسه القادم.

تكاد المقهى تخلو من روادها فمعظم الناس آووا إلى مساكنهم، فبرودة الطقس والمطر، تدعو للالتفاف حول المدفئة، أكثر من المكوث في المقاهي أو التسكع في الطرقات، أما نحن الذين ألفنا الحياة خارج المنازل، من الطبيعي أن ترانا في المقاهي في أحلك الظروف وأصعبها، نحتسي الشاي باستمرار، نقلب صفحات التواصل الاجتماعي، ننقد واقعنا باستمرار، لم يعد يعجبنا شيء في الحياة، حياة أصبح الخطأ فيها فضيلة، والصح رذيلة، لم يعد بإمكاننا أن نميز بين الاشياء، فادعياء الفضيلة أكثر من الذين يعملون بها حقيقة، في دنيا لم يصح فيها إلا الخطأ، ستغدو المقاهي مأوى فاضل للذين لا يملكون أصدقاء سوى فنجان القهوة أو كأس الشاي، بصحبة كتاب أو جوال، ستغدو أفضل من كل البيئات التي تتصنع الفضيلة ولا تعمل بها.

تبقى المقاهي هي ملاذ الغرباء، وسكن المشردين، وسلوى العاشقين، وطمأنينة المحبين، صديقة الأدباء والمثقفين، وحكايا الأزمنة والعابرين، فناجين قهوتها تحمل من الأخبار والأسرار، والقصص والعبر

عند عتبة باب المقهى قطة جميلة وديعة، حسناء العيون، بيضاء تسر الناظرين، وتمنح أملاً للبائسين، تجلس على عتبة الباب تستظل من المطر، كأن بياضها يجسد صورة الفضيلة الغائبة في نفوسنا، المندثرة في واقعنا، المتوارية خلف مشاريع ملتوية ومتعرجة يتكسب من خلالها ادعياء الفضيلة وحملة القضايا الكاذبة، لم نعد نبصرها منذ زمن، ربما اندثرت، وأصبح الكون قاب قوسين أو أدنى من الذهاب نحو الجحيم، أصحاب الفضيلة الذين تعلو صيحاتهم مستنكرين على قبلة بريئة في قارعة الطريق، ولا تحركْ كيانهم ولا يقشعر وجدانهم على أموال يتكسبوها بطرق ملتوية لا مشروعية في كسبها، لكنه يرى أن اصطفافه بجانب الفضيلة أباح له ما لم يبحْ لغيره.

تأخر الوقتُ كثيراً وأصبح الرحيل واجبًا من المقهى، فينتظرنا يوم جديد، لربما يحمل أملاً وخيراً لهذا العالم المتلاطم الأمواج بالمتناقضات، يسعى الناس نحو الحافلات، فبرودة الطقس لا يطاق في مدينة مثل اسطنبول، اركب الحافلة مسرعاً، لأدرك جزءاً من الليل للراحة، رغم أننا في طريقنا للبحث عن الراحة تعبنا كثيراً، بل وصافحنا الموت في بعض المحطات من حياتنا، وكنا قاب قوسين وأدنى من النهاية، ولكن نجونا لحكمة، نبصرها يوما ما في الحياة.

عند الجسر المطل على المترو، يقف عند درج النزول، شاب وفتاة، ربما لم ينهيا العقد الثاني من حياتهما، يتلاعبون تحت المطر، تملأُ ابتسامتهم البريئة أرجاء الكون سعادة، لقد بددت سعادتهم كل همومي وصرعتها أرضاً، أخذتُ أتأملهما وارى روعة الحب تتجسد في الطرقات فتعطي الحياة قبلة أمل عابرة، بدأتُ أتحسس المطر وكأن له طعماً اخر غير الذي كنت اتحسسه قبل ساعة من الآن، يختم اللقاء معها بقبلة تحت المطر تباركها حبات السماء المتساقطة إلى الأرض.

صعدت إلى المترو ويبدو هذه المرة غير مكتظ بسكانه يبدو أن كثير من سكان المدينة لجئوا إلى منازلهم من شدة البرد، ولكن كالعادة لا يوجد مقعد شاغر، لتبدأ رحلة العودة إلى المنزل انشغلت بأشياء كثيرة منها الكتابة، بالإضافة للتصفح في وسائل التواصل الاجتماعي، مشاهدة الشوارع من نافذة الحافلة، حركة حياة مستمرة رغم برودة الطقس، يبدو أن هذه المدينة جريئة على الحياة رغم كل شيء يحيط بها، عجيبة جداً، غريبة في آلان نفسه، لعل قبلة الفتى في هذا المساء مدتْ المدينة بالعزم والقوة، كما غمرتني بالسعادة، إن كان لا بد لك من الاغتراب يوماً، فيمم نحو اسطنبول، فيها من الأسرار والحكايا والألغاز ما لا تجده في غيرها، مدينة بإمكانها أن تدخل شغاف قلبك من النظرة الأولى، وتحتل كيانك ووجدانك بلا سابق إنذار.

تبقى المقاهي هي ملاذ الغرباء، وسكن المشردين، وسلوى العاشقين، وطمأنينة المحبين، صديقة الأدباء والمثقفين، وحكايا الأزمنة والعابرين، فناجين قهوتها تحمل من الأخبار والأسرار، والقصص والعبر، ما لو إذا تفرغنا لكتابه لاضحى أسفار عظيمة تنبئك عن الألم والأمل، الفرح والحزن، النجاح والفشل، ولكن المقاهي في اسطنبول لها حكاية نقصها لكم في رواية أو مقال آخر.