كم هي جميلة شجرة الكريسماس!

كم هي جميلة شجرة الكريسماس! كراتٌ ملونة وشرائط حمراء برّاقة عُلقت بعناية وذوق على شجرة دائمة الخضرة لا تذبل ولا تبلى. مَنْ بإمكانه أن يعترض ويقول عنها أنها ليست جميلة وسط ظلمة وبرد الشتاء؟ حضرتُ مسرحية أطفال يشارك فيها ابني الصغير في الروضة التي يرتادها هنا في ألمانيا، وكانت مسرحية جميلة يخبروننا فيها أن مساعدة المحتاج هي جوهر ولب الكريسماس. كان دور سامي في المسرحية أن يحمل الطعام لامرأة فقيرة ورجل جائع يفترشان الأرض ويقول لهما "تفضلا.. أحضرت لكما الطعام والشراب". الرجل والمرأة كانا بالطبع طفلين آخرين من رفاقه في الصف يلعبان الدور. أخذا الطعام وتظاهرا بالأكل.. وحين انتهى المشهد أمسكت المدرّسة بالميكروفون لتخبرنا أن المرأة هي مريم والرجل زكريا عليهما السلام، وأنهما نبذا من الناس جميعا بعد أن حملت مريم حملها، فلم يتمكنا من العيش لولا عطف الطيّبين. انتهت المسرحية بجملة لطيفة "من الرحمة والايثار يولد كريسمس وولد المسيح".. صفقنا جميعا والأولاد وبينهم سامي ينحنون لنا وقد علت الابتسامة وجوههم.

   

فكرتُ أن المسرحية كانت جيدة لأنها لم تقترب من الاختلافات بين الأديان واكتفت بفكره العطف على المحتاجين التي نؤمن بها جميعا في الأديان السماوية وحتى في اللادين؛ أمور تتعلق بالأخلاق الإنسانية وتعجب الجميع. خجلتُ من نفسي قليلاً لأنني وأنا أشاهد ابني وهو يؤدي دوره الصغير بحماس وبراءة حزرت بيني وبين نفسي قبل أن تخبرنا المعلمة أن الطفلة التي تحمل لعبة هي مريم وأن اللعبة الرضيع تمثل سيدنا المسيح، فقلقت وقتها أن تفصح الآنسة عن هوية الرضيع بطريقة لا تناسبنا.. قلت في نفسي أرجو حقا أن تقول المسيح فحسب. لا أن تضيف عليها تعليقا عن مكانته التي تتجاوز النبوة في دينهم يعلق في ذاكرة ابني، ويتعارض تماما مع هوية سيدنا عيسى في ديننا.

  

الكريسمس مناسبة تجارية ضخمة تُضخّ لها ميزانيات من الدول والحكومات فكيف نقارنها إذا بزخم ومكانة أعيادنا. وتلك مقارنة من حيث المظاهر والتواجد الاعلامي

ثم تساءلت ونحن عائدون ماذا سيفهم ابني الصغير مع مرور الأيام وهو يكبر في المدرسة الألمانية؟ ماذا سيأخذ معه من هذه الثقافة وماذا سيتشرّب من ثقافته الإسلامية. مع مرور السنوات علي هنا في ألمانيا أدركت أن العيد في الغربة يجب أن يُمنح أهمية كبيرة من أجل أطفالنا. حتى أمور كنت أراها سابقا من القشور: كتزيين البيت لاستقبال العيد وإشعار الطفل باقترابه ومحاولة إشاعة جو من الأناشيد المتعلقة بالعيد والحديث عن مفهومه عندنا بشكل محبب ومبسط.. كل هذا كنت غافلة عن مدى أهميته حتى صار عندي أطفال وكبر ابني وصار يفهم ما حوله ويسأل.

 

يسألني سامي بامتعاض: ماما لماذا بابا نويل لا يأتي الى بيتنا؟ فأنظر اليه وأرى في عينيه براءة الطفولة وأحزن عليه رغم ثقتي أن عدم قدوم بابا نويل لن يضره.. وأقول له ماما نحن مسلمون ولدينا عيد آخر نشتري لك فيه هدايا كبيرة وجميلة.. بل لدينا عيدان يا حبيبي! عيدان نعم، تقول عيناه، لكن لا عيد كهذا العيد! لو كان أكبر قليلا لو كان عمره ثمانية سنوات أو عشرا.. كان قالها لي ربما. أفكر في الأمر وأتمنى حقا ألا يأتي يوم يقول لي فيه ابني شيئاً كهذا. لا عيد كعيد الكريسماس يحيط بنا من كل الجهات على امتداد شهر كامل وربما شهر آخر قبله استعدادا له أيضا. أشعل له التلفاز في المساء ليتسلى قليلا بعد الروضة فتقابلني رسوم كرتون الكريسماس ومسلسلاته وأفلامه وأغانيه. نمشي في الشارع نريد أن نعبر ننتظر الإشارة الخضراء، اللافتات من حولنا كلها مزدانة بالأحمر وصور لرجلٍ عجوز لطيف بلحية بيضاء يطل علينا ومعه كيس كبير من الهدايا.. وابني الصغير ونحن ننتظر أسمعه يُدندن باستمتاع، إنها أغنيه "قريبا يأتي مساء الكريسماس"..

  

صار عيد الميلاد عيداً عالميا ولم يعد أوروبيا أو أمريكيا.. في الامارات وفي سوريا نرى صوراً لأشجار ميلاد أجمل وأكبر أحيانا من تلك التي أراها هنا في مدينة "إيسن". فكرة هدايا الكريسماس تنقض عليك من كل صوب وحدب المحلات التجارية وحتى تلك التي تطالعها من شاشة الموبايل تذكرك بلا كلل ولا ملل أن سارع واشتري لأحبابك أجمل الهدايا قبل أن يأتي موعد عشاء الرابع والعشرين من ديسمبر. حتى "أليكسا" التي عندي في غرفة الجلوس أخبرتني منذ فترة وجيزة أن طردا بريديا اقترب موعد توصيله للبيت. سألتها ما هو الطرد هذا؟ كان شيئا طلبه زوجي كعادته من على موقع أمازون ولكنها في العادة تخبرني عن ماهية الشيء دون أن أطلب منها ذلك. أجابتني أليكسا "لن أخبرك عن ماهية الطرد لأن الكريسماس قد اقترب وأنا لا أقول محتويات الهدايا قبل فتره عيد الميلاد!" ذهلتُ أنها برمجت على هذا وقلت في نفسي ضاحكة حتى أنت يا أليكسا!

  

حتى هي تترقّب الكريسماس! وعيدنا نحن لا يكاد يذكر -في الاعلام الغربي على الأقل- إلا كخبرٍ هامشي أحيانا وعلى عجل. وفي الغربة قد نتفنَّن في صنع كعك العيد لأطفالنا في عيد الفطر ونعلق هلالاً ونجمة ونقول لطفلنا أنظر ثيابك الجديدة ما أحلاها! ثم نصوّرهم. ولكن يبقى مهما صنعنا أن الكريسماس مناسبة تجارية ضخمة تُضخّ لها ميزانيات من الدول والحكومات فكيف نقارنها إذا بزخم ومكانة أعيادنا. وتلك مقارنة من حيث المظاهر والتواجد الإعلامي وقد يقول أحدهم إنها معايير مادية طبعا.. ولكنها في النهاية أشياء تؤثر جداً في عالمنا المعاصر وتلفت انتباه أطفالنا.

 

نتبادل أنا واثنتان من صديقاتي أطراف الحديث في مشوارٍ صباحي في عطلة آخر الأسبوع. نجلس في مطعم عربي مزدحم والنادل يسلم علينا بلباقة ويأخذ الطلب؛ يكلمنا باللهجة السورية وصوت فيروز في الخلفية يصدح فوق أصواتنا وأصوات لعب أطفالنا. للحظة أشعر بالاسترخاء، حتى تخبرنا صديقتي عليا أنّ ابنها لا يكاد يتحدثُ عن أمر غير البابا نويل والكريسماس هذه الأيام. "طبيعي، إنها تجهيزات المدرسة لحفلة رأس السنة"، تردُّ عليها ريما: "وماذا تتوقعين؟ أنا لا مشكله عندي أن يحب شجرة الميلاد فهي جميلة حقا، طالما يتفهم السبب لماذا لا نحتفل نحن في البيت بعيد الميلاد.. أما الأغاني فرأسُه محشوّ بها تماماً. حين أتذكر الأغاني التي كنت أرددها وأنا صغيرة في حلب أحزن أننا مختلفان جدا منذ الآن".

 

سدّت لي جملتها الأخيرة تلك شهيتي للطعام.. انحنيت للأمام لأدنو منها وقلت لها كيف هذا؟ إنهم يحدثوننا ونحدثهم كل يوم.. سيأخذون من الثقافة الأخرى بلا شك ولكن ما يأخذونه لا يقارن بثقافتهم الأم. ضحكت ريما وقالت لي "أحقا؟ قولي لي اذاً كم أغنية عربية يحفظُ ابنك؟" سمعتُ سؤالها وأطرقتُ وأنا أفكر.. بينما أجابتها عليا ضاحكة أن ابنها يحفظ أغنية أو اثنتين من الأغاني الدّارجة.. "شو حلو حبيبي شو حلو" قالت. ليس على الإطلاق ما كانت ريما تقصده بأغاني عربية فلا محتوى هادف ولا لغة فصحى حتى يكتسبها الطفل من هكذا معرفة.

  

قالت ريما معقبة: "أرأيتِ؟ هذه طفولتهم الآن.. وأغاني كريسماس هذه وغيرها من الأغاني الألمانية هي ما سيكبرون عليه ويألَفونه.. تماماً مثلما ألفنا نحنُ وكبرنا على أغاني سبيس تون". ابتسمتْ عليا والتمعت عيناها فجأة وقالت باندفاع: "ياه.. سبيس تون! أتذكرون "يا طيبة"؟" حينها مرت أمام عينيَّ كلماتُ يا طيبة وصورٌ دافئة من طفولتي لصورة الكعبة والدمية فلّة وتفاصيل كثيرة أخرى.. أصابني التوتر لوهلة وتأملت الأطفال وهم يتراكضون حولنا.. وحدَهُ صوت فيروز أراحني نفسياً بعض الشيء، قلت في نفسي ربما ولعلَّ وعسى تلفُهم بصوتها فيتداخلُ في ذاكرتهم بأغاني بابا نويل.. ويبقى لهم بفضلها اللّهم قليلاً من الانتماء والهوية!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة