الشعب المصري الأليف المألوف

اشتهر قارة أوروبا بطقسها البارد جدا والذي ربما قد أصبغ بصبغته على طبائع الشعوب هناك فأصبحت العلاقات بين الناس بعضهم البعض تشوبها البرودة بدافع ما يسمونه الخصوصية، فالمواطن الأوروبي يجلس في مسكنه لا يدري عن جاره الملاصق له شيئاً، فضلاً عن من هو أبعد فأبعد، ولا يصل له خبر وفاة الأسطى وليام، ولا طلاق مدام جينيفر جارته في الدور الثالث بعد أن اكتشفت خيانة زوجها جاك مع البنت كريستينا الشغالة، وللأسف لم تصل فضيحته إلى حد الجلاجل لأن المشاعر الباردة لدى الجيران جعلتهم يتكاسلون ليفتحوا باب المسكن ليستفسروا عن القصة وما فيها.

  

هذا هو الحال عزيزي القارئ في أوروبا الباردة طقساً وإحساساً، لنتركها ونهبط بالطائرة إلى منبع الدفء ومنهل المشاعر، إلى مصر أم الدنيا، حيث لن تبقى وحيداً بعد الآن يا صديقي، فلديك صحبة في كل مكان تذهب إليه، يتودد إليك ويتعرف عليك ويعرف قصتك بالكامل ويساعدك إن كانت بيده المساعدة.

 

أما وقد دخلت مصر فاترك على أبوابها المصطلح الغربي المسمى بالخصوصية، واشعر بالحميمية وبأنفاس المصريين الدافئة حقيقةً لا مجازاً، تشعر بها وأنت في الأتوبيس أو المترو، وهي بداية اليوم الدافئ لمعرفة المصريين لبعضهم البعض، فيبدأ اليوم بمعرفة من غسل من المصريين أو العينة التي يتم الاحتكاك بها من المصريين اليوم أسنانه، وأي معجون أسنان قد استخدم، ورائحة البرفان الرخيصة الثمن منها والغالية، ونوع التليفون المحمول الذي يحمله ونسبة البطارية في التليفون، وحساب الفيس بوك والأصدقاء واقتراحات الأصدقاء والصفحات المعجب بها، والمنشورات المحفوظة التي احتفظت بها من سنين مضت على أمل أن تفتحها يوماً ما ولم تفتحها إلى الآن.

 

أنت متهم إن تم سؤالك عن جارك الذي يبعد عنك عشرات الأمتار إن سُئلت عنه وقلت لا أعرفه، حينها سيقال لك (ازاي ماتعرفهوش) وسيتم اتهامك بالانعزالية وعدم قبولك للاختلاط مع الآخرين

الشعب المصري يجيد خلق الحوار بين بعضه البعض، الرياضة، السياسة، الاجتماعيات، المعارف والأنساب، تفتح الشباك وانت في المواصلات العامة فيُطلب منك إغلاقها، تغلقها في مرة أخرى فيُطلب منك فتحها، تأكل بذور اللب فيقال لك من شخص لا تعرفه (هات شوية)، يؤكل اللب من قِبل الشخص الذي بجوارك في مرة أخرى مختلفة فيقول لك (خد شوية)، تسرح قليلاً وتتأمل فتجد من يقطع عليك طريق التأمل قائلاً (سيبها لله محدش واخد منها حاجة)، تبكي فتجد من يطبطب عليك، تضحك فتجد من يقول لك (ما تضحكنا معاك يا عم)، تنوي الزواج فتجد من ينصحك ومن يحذرك ومن يلومك ومن يحسدك، تُنجب طفلاً فيتسابق الجميع ليحظى بتسميته ويحرص على أن يرسو الاختيار على اقتراحه.

  

الحقيقة أنك في مصر حر لكنك لا تملك قراراتك بيدك، فلديك شركاء في اتخاذ القرار سواء في شأن الزواج أو الإنجاب من حيث سرعة الإنجاب أو تأخره أو العمل في مصر أو الهجرة منها، أو العودة من الهجرة أو البقاء فيها، ولا ننسى مدارس الأولاد وطريقة تربيتهم، لكن إياك أن تضجر بهذه التدخلات أو استغفر الله فلنقل إنها استشارات ونصائح لأنك ستُتَهم أنك حُر، وهذه الكلمة بها من التهديد والوعيد والشعور بالذنب والتقصير ما يُفقدك قواك وتهتز بها أركانك.. (إنت حر بقى اعمل اللي انت عاوزه).

  

أنت متهم إن تم سؤالك عن جارك الذي يبعد عنك عشرات الأمتار إن سُئلت عنه وقلت لا أعرفه، حينها سيقال لك (ازاي ماتعرفهوش) وسيتم اتهامك بالانعزالية وعدم قبولك للاختلاط مع الآخرين، أو التوحد، ربما أنت مصاب ولا تعرف، وربما يصل الأمر لنكتشف أن جذورك ليست مصرية، وحينئذٍ ستُختم بختم يبقى معك أمد الدهر.. (سيبوه ده واحد في حاله ابعدوا عنه ومالكمش دعوة بيه).

  

كل شعوب العالم تتكلم الإنجليزية ببرود دون خلق أي حوارات جانبية تعرف بها قصد المتكلم وثقافته وطريقة تفكيره، لكن في مصر نحن نهتم بالتفاصيل يا صديقي ولا تمر أي نقطة من نقاط الحوار إلا بعد استقصاء وتحقيق وقناعة، كقول أحدُهم لأحدِهم وهو يتكلم (البي دي خفيفة ولا تقيلة).. فلا يفعلها ولا يستطيعها إلا الشعب المصري.

 

هذا غيض من فيض من الدفء والتداخل والانسجام والأُلفة، وإن أنكر أحدٌ او استنكر هذا يقال له بمليء الفم.. أصله ماعداش على مصر، هذه هي مصر الأليفة المألوفة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الجالية العربية بمعظمها تتألّف من السوريين واللبنانيين وأبنائهم وأحفادهم، فإن الفلسطينيين يتكتّلون في بعض مدن البرازيل، ومؤخَّرًا انضمَّ المصريون والمغاربة، بأعداد أقل بكثير من إخوانهم الشوامّ إلى الجالية العربية.

الأكثر قراءة