التّربية بالخوف لا تصنع فضيلة!

في زمن ما كثيرون كانوا يهابون المعلم لدرجة أنه إذا مرّ في طريقهم تواروا عن الأنظار خوفاً منه أو آثروا تغيير الطريق، رغم أنه كان من الممكن إلقاء التحية عليه والابتسام في محيّاه، كثرٌ أيضاً من حفظوا جدول الضرب خوفاً من عصا المعلم أو علوّ صوته مثلاً، ومواقف جمَّة لا زالت قابعة في ذاكرتهم الطفولية، ناهيكم عن مقولة "مَن علّمني حرفاً كنتُ له عَبداً" لِمَ لا أكون حِبَّاً، لمَ في مقعد العبيد!؟ ومن أركان العبودية الخوف، ونحن لسنا عبيداً إلا لله، لستُ أجنحُ لإنكار فضل المعلم والنبي ﷺ حثنا على احترامه وتوقيره، وهو أحقُّ النَّاس أن تشرئبَّ له الأعناق وأن تتطلَّع لما عنده. وآخرون في طفولتهم كان لحضور ذويهم في المنزل غمامة تلزمهم السكوت لدرجة أنهم يشعرون بأنهم مكبّلون عن التصرف بطريقة طبيعية أمامهم، ورغبوا أن يكبروا بسرعة ليتحرّروا من هذا الشعور ولكن هيهات فقد أخذ بتلابيبهم إلى أن صاروا رجالاً!

ربما بعضهم سيقول بأن ذلك من باب الاحترام لكن هل الاحترام مقرونٌ بالخوف؟ لماذا ثقافة صمت الطفل في حضرة الكبار، إلى أن يبلغ الحُلُم؟ ولماذا لا نشعر بالأمن النفسي ودفء العلاقة؟ في قصة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد كان رجلاً جسيماً أصلع وسبلته كبيرة، يفوق الناس طولاً، إذا مشى أسرع، وإذا سار بجوار من يركب الفَرس يكون رأس عمر بجوار راكب الفرس، يصرعُ الفتيان في سوق عكاظ، حتى الشيطان كان يفرّ منه، خرج ذات يوم يتفقد أحوال المدينة، وإذ بصبيان يلعبون في طرقاتها، فلما رآهم عمر سرعان ما لاذوا بالفرار، إلا واحداً في الخامسة من عمره ظل واقفاً يكاد يلتصق بالأرض إذا قارنّاه بعمر، فلما صار عمر بمحاذاته جثا على ركبتيه وربت على كتفه، وسأله: عجباً أيّها الصبيّ لماذا لم تهرب مثلما هرب البقية؟

كثيرون هم من يُرَبُّون بالخوف وقليلون جداً من يُرَبُّون بالاحترام، والفرق بينهما شعرة، فالأول يكون بصوت عالٍ وامتعاض وجهٍ ودوام تهديد بالعقوبة، أما الثاني فهو وسيلة تفاهم بالكلام والحوار الهادئ

لم يصرخ أو يرفع صوته ولم يعرف الخوف إلى قلبه سبيلًا، ولم يسكت أيضاً بل ردّ بكل هدوء وأدب: لم أفعل ذنباً فأخافك، ولم تكن الطريق ضيقة فأوسعها لك، ولم تكن ظالماً فأخشى ظلمك. ذهل عمر من شجاعته وتنبأ له بشأن عظيم، إنّه عبدالله بن الزبير. هيبة وأوصاف وسمعة كهذه لعمر كفيلة بجعل أي طفل في عمر الخامسة يتلجلج ويتزعزع تحت وطأة خوفه، فمن ذا الذي ربّتْهُ أسماء بنت أبي بكر، ذريةٌ بعضها من بعض! من المؤكد أنها لم تُنشِئه على أنَّه لن يُصلِحَ الكون أو على أن يلزم السكوت والجلوس بلا حراك في حضرةِ النّاس، وغيره من المنطق الأعوج!، لم تعلّمه السير بجوارِ الجدار بل علّمته أن يدخل الجدار، ربّته بالحبّ على الاحترام، والهمّة والثّبات على الحقّ أيَّما كانت الظّروف، والاعتداد بالنفس ورباطة الجأش وقوة الرد المتزن.

وهذا السن في الغالب مهمل في عالمنا الإسلامي والحجة أنه ما زال صغيراً وسينسى، وجُلَّ همنا متى سيدخل المدرسة، ولكن فعلياً هذه أخطر سنوات تنبئ عن شخصيته المستقبلية، ففيها تتكون المشاعر والأحاسيس والعواطف في كيانه بأعلى معاييرها، ينزعج من كلمة ويُجرَح من نظرة، فيكون كالمعجونة المرنة تشكّلها كيف تشاء وكلما كبر مالت إلى القساوة أكثر، وعقله أشبه ببطاقة ذاكرة فارغة تملؤها بما تريد، فقد يُترَك لا قدّر الله لمعلمٍ غير ناضج أو لخادمة في البيت أو قد يكون إحدى أبويه أو كلاهما غير مؤهلين للتربية، ويُعامَل بقسوة بالغة وتتم إخافته بالتهديد والتقريع المستمر لأي تصرف خاطئ، سواء بالتعنيف اللفظي أو النفسي أو قد تكون بيئة العائلة فيها كثيرٌ من المشاجرات والخلافات، مما يفقده الإحساس بالأمان ويجعله عرضة للخوف من فقدان أحد الوالدين، فكل التصورات غير الصحيحة والمشكلات الاجتماعية تترسخ في ذهنه وتؤثر في بنيته النفسية وتغذي شعور الخوف في قلبه تدريجياً وتراكمياً؛ وغالباً سيدرس ويأكل ويصلي وينام باكراً بدافع الخوف.

والأنكى من ذلك كله، أن يلجأ الطفل للكذب مواراةً لسلوكه الخاطئ، خشية ردود أفعال والديه في حال قال الحقيقة، تجنباً لغضبهما، أو لأنه ملّ من رفعهما صوتهما، أو قد يستخدم العناد أو البكاء أو العنف كردّ فعل لمواجهة إحساسه بالخوف، كل هذا من شأنه أن يجعل بناء الإنسان آيلاً لقيم غير صحيحة، وهنا لا نستطيع القول إن التربية سليمة وصحية، قالوا قديماً "كتر الشد برخي" فالبرغي كلما شددته أكثر من الحد المطلوب ارتخى لأن أسنانه تتآكل ولا تعود تنفع للشد، وهكذا فإن فعل كل السلوكيات بدافع الخوف سيهتّك غالباً القيم الصحيحة الأخرى للطفل.

كثيرون هم من يُرَبُّون بالخوف وقليلون جداً من يُرَبُّون بالاحترام، والفرق بينهما شعرة، فالأول يكون بصوت عالٍ وامتعاض وجهٍ ودوام تهديد بالعقوبة، أما الثاني فهو وسيلة تفاهم بالكلام والحوار الهادئ، وتوضيح السبب والمسبب والعاقبة لأي تصرف، ولا بأس إن أخطأ وتمت إعادة توجيهه، وهكذا مرة يُفرَض رأي المربّي ومرة يُؤخَذ برأي الطفل، فنحن أمة الوسطية. لا تتحدى طفلاً، فهو لا يستطيع فكّ شيفرات انفعالاتك النفسية، وتضييقك عليه بقول "لا" باستمرار بذريعة الخوف عليه، لكن علمه كيف يفعل الصواب حباً لا خوفاً فهو لا يفقه هذا العالم وأنت دليله الحياتي.

يجهل كثيرٌ من الناس ماهيّة لوزة الدماغ Amygdala ترموميتر المشاعر البشرية، المسؤولة عن مشاعر الخوف والشجاعة والمنظمة للحزن والفرح لدى الإنسان، فالطفل يُولَد وفي كينونته بعض أنواع الخوف من الصوت العالي والارتفاعات مثلاً ولكنها تتطور بحسب الظروف التي يعيشها. وعلّنا يجب أن نعرف أنَّ هناك خوفاً إيجابيّاً معقولاً يساهم في بناء الطفل وحمايته، وخوفاً سلبيّاً يشل حركته ويمرضه ويحدّ من تطوره، فنمو عقله خلال السنوات الثلاث الأولى هو الأسرع، فعند تعرض الطفل لصوت عالٍ أو اعتداء جسدي أو لفظي أو عاطفي أو عنف أسري، يستقبله عقله بأنه خطر عليه، فيبدأ الدماغ وتحديداً غدتي الـ amygdala وhippocampus بإرسال إشارات لإفراز هرمونات كالإبينفرين ونُورإِبينِفْرِين والكورتيزول على المدى القصير مما يؤدي لزيادة دقات القلب وسرعة التنفس وتوسيع شرايين الدم وضخه إلى العضلات والأطراف، وبزوال مسبّب الخوف تعود حالة الجسم لطبيعتها.

ولكن إذا تكرر الحدث وسبب للطفل حالة خوف مزمن، سيعقبه تبعات لا تحمد على الجسد والعقل والروح على المدى القريب والبعيد، خاصة إذا استمر إفراز هرمون الكورتيزول لفترات طويلة سيؤثر سلباً على طريقة نمو وعمل منطقة الـ hippocampus في الدماغ، المسؤولة عن القدرة على التعلم وصنع خلايا الذاكرة الجديدة، وفي حالات قد يؤدي ذلك إلى اضطرابات في نومه، وفقدان شهية وصداع ونوبات ذعر وقلق دائم، وضعف مناعة وصعوبة في التركيز! وهنا يكون النتاج ركيكاً، شخص ضعيف الشخصية، يخاف من نقد الآخرين ويتصرف بناءً على توقعاتهم ورغباتهم، نظرته لنفسه دونيّة ودائم الجلد لذاته، حادُّ الطباع، وتُقرَأ في لغة جسده انحناءة.

وأنجح طريقة لعلاج سلوك الطفل الناجم عن إحساسه بالخوف، التدريب النفسي بالاهتمام والرعاية والاحتضان الذي يؤدي لإفراز هرمون الحب (الأوكسيتوسين)، كما يعد الإيحاء المنضبط وسيلة فعالة لتعزيز الصفات الإيجابية، ففي السنوات الأولى من عمره تستطيع الأم تأليف قصص وربطها بأحداث اليوم، ونقد تصرفات ابنها بأسلوب غير مباشر، ولنعطي فسحة للطفل يفضي فيها عمّا يجول في نفسه، دون رشقه بعبارات التهكُّم والسخرية. وهناك التدريب الجسدي أيضاً في مشاركته بإحدى رياضات الدفاع عن النفس لتعطيه قوة وجرأة مثلاً، والتدريب الروحاني على الإيمان بالله بغرس المعاني الفاضلة.

فبعد ٢٠ سنة سترى ابنك واثقاً، مرتاحاً قادراً على اتخاذ القرار أهلاً للمسؤولية لا يعتمد على الآخرين، لايكترث للقيل والقال كثيراً غير تابع للناس ولا يمنعه الخوف أن يطالب بحقه، وتعبيره عن الاختلاف لا يعني سوء الأدب، يحترِم كما كان يُحترَم. إن الخوف أكبر عدو لمضيّ الإنسان قُدُماً، يأسِرُه من تجربة كل جديد يُقبِل عليه، فكلما تجرّع الخوف قلب الطفل في البيت والمدرسة والشارع ستتفاقم الآثار السلبية على الصحة الجسدية والعقلية والنفسية في المجتمع ككل وتقلّ ثمرة الإبداع فيه ويغلب عليه العجز والقصور. فلننشر ثقافة التربية بالحب والحوار الذكي، ولنحرص على تمكينهم للخروج بأقوى المشاعر في سنواتهم الأولى وألّا يروا منّا غير الخوف الإيجابي البنَّاء وهو الخوف من الله عز وجل والتحرر ممن سواه، فبقدر ما نشحن نواة قلوبنا بالخوف والرجاء والأُنسِ بالله دون سواه، تتحجّم أُطُرُ الخوف السلبية المادية الأخرى ويُعتَقُ الإنسان من مخاوفه وقلقه. ربما يستصعب ويتذمر البعض من التعامل مع الأطفال وتغير الوضع الحالي، لكن الأمر جدير بالمحاولة، والخيار بيدك فالحصاد من جنس البذرة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأسرة هي المسؤول الأول والأخير عن تصرفات وسلوكيات أبنائهم، فمسؤولية التربية والتنشئة تقع بالمقام على الأسرة فإن صلح الوالدين وقاما بدورها الأساسي والرئيسي بالتربية والتنشئة صلح الأبناء والمجتمع يصلح بصلاحهم.

الأكثر قراءة