الأحلام القديمة تتعانق في السماء

blogs تأمل

هل كنت سأصبح سعيدة حقا لو تحقق حلمي القديم؟ حلمي الكبير القديم؟ هل كنت سأحيا حقا بلا مشاكل لو ولدت في بلد آخر لا يطحن عظام مواطنيه؟؟ هل كنت سأكون أفضل حالا لو ولدتني أمي على شاطئ المحيط الأطلسي تحت “العلم ذو النجوم المتلألئة وألقمتني عند الميلاد جواز سفر أزرق وبطاقة هوية دولة عظمى؟؟ أو ربما كنت لأسعد حالا لو ولدت في أرض الأحلام، اليوتوبيا الغارقة في الحرية الدينية كما تخيلها توماس مور، او المدينة الفاضلة التي تخيلها أفلاطون؟ أم كنت لأشهد نبي الحرية يقتل مخالفيه وسيد الفضيلة يسيرعاريا منها؟

    

ذلك الحزن الذي يبكيني الساعات الطويلة هل كان سيزول حقا لو عادت جدتي واحتضنتني كما أحلم دوما؟ هل سألازمها طوال الوقت لو عادت أم كنت لأجد رعايتها مرهقة – وورايا حاجات كتير-؟ هل ستزول وحدتي لو امتلأ البيت بالأصدقاء حقا؟ أم ستبدو أحاديثهم صاخبة وحكاياتهم متناقضة وخلافاتهم التي يقحمونني فيها أكبر من احتمالي؟ هل كنت لأصبح سعيدة لو عملت في تلك المؤسسة الكبيرة ذات الأبواب المصقولة؟ أم كنت لأتعرض بين جدرانها للون قاهر من العناء؟ هل كان الأفضل لو لم تقم الثورة؟ لو لم تفشل الثورة؟ لو لم نحترق في الميادين؟ لو لم يهجم الهجامة على بيوتنا فجرا؟؟

   

نحن في هذه الحياة لا نملك إلا اللحظة الحاضرة فقط، ودعوة صادقة تخترق الأحجبة الى المستقبل فتغيره بإذن الله، غير هذا لا يفيد

إن التأمل في أحوال الحياة والأحياء يعيد للنفس الساذجة بعض الهدوء، كل ما كان قد كان ولا نملك تغييره، والأهم أن الزمن لو عاد وغيرناه لبرزت في الحاضر الجديد ايضا مشاكل وأوجاع جديدة لا ندري عنها الآن شيئا من مخابثات الأحلام أنها قد تتحقق حين نكون قد نسيناها، أو تغيرت بوصلتنا فكرهناها، أو طال علينا الأمد فلم تعد تعني لنا ذاك البريق، لعل في هذا بعض العزاء لذوي النفوس الطيبة.

  

أذكر حلما رآه نجيب محفوظ كما قص في كتابه "أحلام فترة النقاهة::الأحلام الأخيرة"  يقول (وجدتني أعشق فتاة عن بعد، تلوح لي من شرفتها معلنة عن رشاقتها، وبالإشارة تواعدنا على محطة الترام، تقابلنا ولكني وجدتها على غير ما تخيلت فصدمت، ويبدو أن الصدمة كانت متبادلة حيث أنها لم تظهر في الشرفة مجددا!)، هنري ميللر عانى من الركود طويلا ثم حين حققت كتبه أعلى المبيعات علق على شعوره حيال الشهرة قائلا "حقا لا أشعر بأي شيء مختلف حيال هذا" هو شيء غير طبيعي بالنسبة لي، ولا اعتقد اني مشترك في هذا, في الحقيقة أنا لا أحب هذا, انه لا يقدم لي اي متعة, كل ما اراه هو المزيد من الإزعاج في حياتي الشخصية، المزيد من التسللات واللاشعور. الناس جميعا معنيون بشيء هو في الواقع لا يعنيني بشيء ولا أهتم به).

  

نحن في خطواتنا الأولى على أرض الرشد، نلقي سلاما على الدنيا وساكنيها وتمتلئ قلوبنا بأحلام كبيرة وعظيمة نتبناها كأطفال ولدوا من أصلابنا ونحيا لها.. ثم قد يفجعنا الواقع فلا نملك له دفعا، وبعد أن تجرجر السنوات بعضها نتسائل أين نحن مما كنا عليه؟ أين نحن من أحلامنا النبيلة؟ الأحلام القديمة النبيلة ربما لا تتحقق لكنها لا تموت، بل ترتدي أجنحة مضيئة وتغادر الى مكان بعيد في السماء وتتراص هناك، نراها من مواقعنا ولا نلمسها، لكنها بالقطع، تضئ لنا الطريق.

  

نحن في هذه الحياة لا نملك إلا اللحظة الحاضرة فقط، ودعوة صادقة تخترق الأحجبة الى المستقبل فتغيره بإذن الله، غير هذا لا يفيد، لا يفيد البكاء على اللبن المسكوب فربما اصلا كان طعمه حامض وأنت لا تدري، لكننا فعلا وصدقا نملك بالدعاء والإرادة أن نكون سعداء، وربما تمكننا من نفخ الروح في حلم قديم طوته السنوات التي كرت وراء بعضها، اللهم لك الحمد بما خلقتني ورزقتني وهديتني وعافيتني وفرجت عني.