خط الأطباء السيء.. صيت علم أم صيت جهل؟!

إذا أخذت يوما وصفة طبية مكتوبة بخط اليد من طبيبك أو نظرت إلى ملاحظاته في أثناء زيارتك، فالغالب ألا يساعدك التحديق المطول على محاولة زيادة وضوح الحروف أو حتى على معرفة بداية الكلمة ونهايتها. ليس "وراثيا" الأشخاص الذين يعانون من خط اليد السيء ينجذبون إلى المجال الطبي، تقول روث بروكاتو.. دكتوراه في الطب، فالمفارقة أنها انتقلت من الفوز بجائزة فن الخط في المدرسة الابتدائية إلى نص غير مقروء تماما على وصفاتها الطبية الآن. تعترف الدكتورة "أعلم أن الآخرين يواجهون صعوبة في فك رموز ملاحظاتي" مضيفة أنه تحاول عادة قراءة كتاباتها الخاصة. فما الأسباب المكتسبة الشاملة لغالب الأطباء وراء خطهم السيء بعد الافتراض الواقعي المنطقي في المقدمة أنه ليس أمرا وراثيا!

العمل الهائل:

يأخذ الأطباء الكثير من الملاحظات، ويتحتم عليهم أن يكتبوا أكثر مما يفعل العامل في وظيفة أخرى، يقول سيلين ثوم، المدير الطبي في Para Docs Worldwid في المجال الطبي. ويقول طبيب "أيام طويلة بالإضافة إلى طن من الكتابة يساوي يد متعبا للغاية"، وطبيب آخر "إذا كنت تكتب حرفياً لمدة 10 إلى 12 ساعة في اليوم وكنت تكتب بخط اليد، فلا يمكن أن تفعلها يدك". من الأهمية بمكان السماع من "الضحية" أولا ولربما ما يخبرنا عنه هؤلاء الأطباء ليس فقط يجعلنا نصدقهم ونبرر لهم بل حتى نتعاطف معهم، ولا يخفى على أحد أن خط اليد لمعظم الأطباء يزداد سوءا على مدار اليوم وهذا ما يؤكد كلامهم السابق حيث أن عضلات اليد الصغيرة هذه تعمل فوق طاقتها.

التسرع ومحاربة الوقت:
الوضوح حيث يهم، إن الأطباء حريصون للغاية عندما يتعلق الأمر بالوصفات الطبية التي يمكن أن تترتب عليها نتائج خاطئة بالغة الخطأ، على سبيل المثال، بدلاً من كتابة "mg" أو "mcg"

إذا أمكن للأطباء قضاء ساعة مع كل مريض، فقد يتمكنون من التباطؤ وإعطاء أيديهم قسطا من الراحة، ولكن الحقيقة هي أن معظم الأطباء يهرعون من مريض نحو مريض آخر، فعندما يكون الوقت قيدا، فإنه يقلل من جودة الكتابة أيضا، بالإضافة إلى أن الأطباء مهتمون بدرجة أكبر بالقصة السريرية وأخذ المعلومات من المريض ومحاولة تشخيص حالته، الأمر الذي لا يُبقي كثيرا من التركيز والاهتمام والطاقة لمحاولة إتقان خطهم اليدوي.

مصطلحات الطب:

المصطلحات التي يتعامل معها الأطباء تتناسب مع خط اليد السيء، مثلا: تخيل محاولة كتابة Epididymitis- التي تعني التهاب البربخ – دون التدقيق الإملائي في جهاز الكمبيوتر الخاص بك، لدى الأطباء الكثير من المصطلحات الطبية التي يصعب كتابتها، ربما بأن تتخيل نفسك بموضع الطبيب فترى أنك في بعض الأحيان بحاجة لخربشة لتغطية الخطأ! وعلى النقيض فالمفارقة أن تجعلك بعض المصطلحات الواضحة تماما تكتب بخط سيء وغير مفهوم كونها بديهية، على سبيل المثال، QD اختصار لعبارة لاتينية تعني "واحد في اليوم" وتعني TID "ثلاث مرات في اليوم." فقد تكتب تلك الرموز بخط سيء، لكن الصيدلي سوف يعرف بالضبط ما يعنيه الطبيب.

ذهن الطبيب والصيدلي:

الأطباء يتعلمون دائماً، يقرأون ويقرأون.. هنالك الكثير من المعلومات المستمرة في أذهانهم في كل وقت، لذلك عندما يكتبون، يمكن أن يفكروا في الموضوع التالي دون أن يكملوا ما يكتبون عنه، وهكذا، تبدو الكتابة مستعجلة للقارئ. يستخدمون الرموز والنماذج القصيرة التي لا تعني أدنى أفكارا مسبقة في أذهان القراء من المجتمع غير الطبي، مثل وصفة الدواء يمكن دائما قراءتها من قبل ذهن صيدلي بشكل أفضل بكثير من أي ذهن شخص لا يرتبط بالعمل الطبي، فالصيدلي بالطبع يمتلك خلفية علمية للمصطلحات.

تاريخ الطبيب:

أحد الأطباء الذي ما زال في بداية اختصاصه يقول: "تحاول مواكبة الوتيرة التي يلقي بها الأطباء تقارير المختبر والوصفات الطبية لك لملئها، عليك أن تكون بسرعة البرق، يجب عليك نسخ أسماء الأدوية وأوامر العلاج التي كتبها الأطباء، أول مرة اضطررت للقيام بذلك: يا الله. لم أستطع قراءة شيء. إنها مجرد مجموعة من الشخبطة لعين غير مدربة، لذلك قمنا بتطوير خدعة للتحايل: نسخ نفس الشخبطة بالضبط، بالضبط نفس الشيء! بحلول الوقت الذي تنتهي فيه من التدريب، تتخرج ليس فقط بشهادة MBBS ولكن بشهادة غير رسمية في فك التشفير. لذا، كما ترى، فإن خطنا السيء هو مجرد "سمة تطورية" اكتسبناها مع مرور الوقت للبقاء على قيد الحياة في المدارس المتوسطة الطبية والتدريب".

من الجامعة كطالب طب يكبر الطبيب أثناء تدوين الملاحظات والاختبارات بسرعة في الكلية، ويكبر معه تدهور مهارته الكتابية، بحلول الوقت الذي بدأوا فيه في الممارسة، لم تكن عادات الكتابة السيئة لديه إذاً "غير مكتسبة". وفي الممارسة السريرية في المشافي بعد الجامعة، يوجد مئات الأشياء التي يجب كتابتها ملخصات التفريغ ، مخططات الأدوية، أشكال الإحالة، علاوة على ذلك، فالطبيب دائما تحت ضغط الوقت. يكون حجم العمل دائما أكثر مما يستطيع. لذلك يبدأ في اتخاذ طرق مختصرة. لماذا يأخذ 5 ثوان لتوقيع شيء عندما يمكنه القيام بذلك في 5 ميلي ثانية؟

المرحلة التالية هي محاولة قولبة الكتابة على الرغبة التي يريدها الأطباء الممارسون الأكبر فيلجأ الطبيب المختص لتقليد "شخبطة" الجمل والمصطلحات من هؤلاء الأطباء الأكثر رتبة منه ويحاول أن يتعلم الجمل المتعاقد عليها والمألوفة المتداولة حوله في وسط المستشفى بخط سيء منهم منذ البداية. يؤدي ضغط الوقت والحجم المرتفع من العمل لجعل الخط اليدوي للطبيب نسخة مشوهة عن النسخة المشوهة السابقة في كل مرة! وينتهي به الأمر بحالة "لديك خط يد سيء، تهانينا يمكنك أن تصير طبيبا الآن".

عدم أهمية الخط المنمق:

الطب هو واحد من المهن القليلة التي تكون فيها جودة خط يدك مهمة لأشخاص آخرين، فكر في الأمر، كم مرة اضطر شخص آخر إلى قراءة خط يدك؟ في معظم الأوقات، من المحتمل أنك فقط تكتب الملاحظة الفردية لنفسك أو تقوم بإجراء تعديلات على قائمة التسوق، ليس من المعتاد أن ينتهي خط يدك أمام الصيدلي الذي يحتاج إلى معرفة الأدوية التي يجب تقديمها، لذلك حتى لو كان لديك خط يد سيء، فلا أحد يعرف ذلك حقا.

الحرص كمقوّم إيجابي هام:

الوضوح حيث يهم، إن الأطباء حريصون للغاية عندما يتعلق الأمر بالوصفات الطبية التي يمكن أن تترتب عليها نتائج خاطئة بالغة الخطأ، على سبيل المثال، بدلاً من كتابة "mg" أو "mcg"، تم تشجيع الأطباء على كتابة "milligram" أو"microgram"، فعندما يكون الأمر متعلق بجرعة مائة ضعف ما تكتبه، فالطبيب حريص للغاية بما يقوم بكتابته. هذه الهوامش الكتابية الدقيقة السابقة في الجرعات تحدث فرقا.

خط الأطباء إحصائيا:

تقرير للتايمز يضع يده على المشكلة، ينص على أن أكثر من 7000 أمريكي يموتون كل عام نتيجة الأخطاء الدوائية والتي تشمل وصف أو صرف الأدوية الخاطئة، لربما كنا سنشعر بالخطر عند إخبارنا بعدد الوصفات الدوائية التي يتم ملؤها كل عام لمقارنتها بعدد الأخطاء. الرقم مرعب لدرجة أن يجعل المريض ربما يفكر بالخطر الذي يواجهه بالذهاب إلى المستشفى! ومقاربة لشعور مريض يقرأ هذا الرقم، ضمّنت التايمز تشبيها مرعبا للقضية: نقلاً عن الدكتور لوسيان ليب من جامعة هارفارد، وهو مؤلف مشارك في الدراسة، لاحظت التايمز أن عدد القتلى بسبب دواء خاطئ هو نفسه كما لو أن طائرة ضخمة جداً محملة تحطمت كل يومين. كل هذه البيانات الإحصائية تعيد فكرة خطورة الخط السيء في إحداث عدد وفيات، الأمر الذي يتطلب التحرك أو الانتباه على الأقل.

حلول المشكلة:

بينما يحاول بعض الأطباء علاج المشكلة علاجا تلطيفيا بأن يستخدموا الحروف الكبيرة لجعل كتابتهم أكثر وضوحا، يتجه العديد من الأطباء نحو السجلات الطبية الإلكترونية لخفض أخطاء المصطلحات "المهروسة" في خطهم اليدوي، حتى لو أنها كانت لتوصف من قبل الصيدلي بوصفة طبية صحيحة وإعطاء المريض أدويته التي وصفها الطبيب. تطلب كذلك بعض الولايات الأمريكية قانونا يتحتم به على الأطباء إرسال الوصفات الطبية إلكترونيا بدلا من الوصفات المكتوبة بخط اليد، وبينما يتفق الأطباء على أن هذا الحل يبدو كفرصة أقل للخطأ، تظهر المشكلة بشكل أخطر للمفارقة، فكتابة كل شيء إلكترونيا ليس مثاليا أيضا، فلا يزال هناك احتمال للخطأ، على سبيل المثال كتابة 30 بدلاً من 300، وهذه الرقم الناقص هنا أخطر من وجوده في وصفة طبية مكتوبة باليد، فهنا ليس هنا مساحة لتأويل منطقي من قبل الصيدلي للخط السيء البشري، فقد يصرف الوصفة الإلكترونية الخاطئة دون أن ينتبه، لأن في ذهنه مسبقا الوصفة الإلكترونية لا تخطئ!



حول هذه القصة

بعد أن أصبحت طبيباً أصبحت علاقتي بالهاتف متوترة قلقة أكثر مما كانت عليه، فهاتف الطبيب لا يطلبه أحد إلا لشكوى مرضية أو مشورة طبية أو مصيبة على وشك الحدوث

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة