شعار قسم مدونات

المُقيَّدون بالماضي!

blogs تفكير

مَثلُ الماضي في حياة الناس كمَثل الصخر في حياة الأرض، يحتاج التأريخ الجيولوجي للصخر في عملية تحليل الحقائق العلمية، ويحتاج الفحص النفسي للماضي ليكتشف نوعية السلاسل التي تكبّل القلوب قبل أن يدرك أنّها مصابة بمتلازمة اجترار الذكريات، وارتفاع ضغط الماضي المزمن فيها. هناك من يتمنى العودة للماضي كي يصحّح، وهناك من يتمنى العودة ليعانق. الماضي في حياة البعض مثل مشروب غازي داخل قارورة، رجّة واحدة تهز مشاعرهم، هزّة واحدة تكفي لتجعلها تثور كالحمم. ولطالما عملت الذكريات في النفس عمل ثاني أكسيد الكربون في المشروب، بعض القلوب كعلبة مشروب غازي تحتاج للرجّ لكي تتنفس، يمكنك رجّها بقوّة لتسمع ضجّة قلبها الفوريّة، ويمكنك سحبها بلطف وجرّها للبوح تدريجيّا!

في كلّ إنسان يحنّطه الماضي ويؤمّه، يوجد نجم نيوتروني قد يؤول إلى ثقب أسود كلما زاد عليه الضغط وضعفت قدرته على التحمّل ليلزم بعدها صمتا أبديا. والبعض كالقزم الأبيض مكدّس بالذكريات؛ ينتهي به الهمّ في آخر العمر إلى قزم يكتم ضغط الحياة في قلبه وينطوي كالمكتئب على نفسه. بعض الناس كالثقب الأسود مثلما يجذب الأجسام يجذبون هم الفضول والبعض كالثقب الأبيض يدفعونه بعيدا. يا إلهي، كم يجعلنا الماضي مدعاة للفضول كلما دهننا بالغموض! تتآكل القلوب بفعله شيئا فشيئا وتظلّ بقايا صوت فيروز فيها يبعث حزنا نديّا.. يغنّي:

يا سنين الي رحتِ ارجعيلي، ارجعيلي شي مرة ارجعيلي
وانسيني ع باب الطفولة، تا أركض بشمس الطرقات
يا سنين الي رحتِ ارجعيلي، ارجعيلي شي مرة ارجعيلي
ورديلي ضحكات الي راحوا، الي بعدها بزوايا الساحات

يقيّدك الماضي في أوّل فشل، يجعلك تعود إليه كلّما تعثّرت، يقيّدك في أوّل عيون أحببت، في الأغاني الأولى التي بها تعلّقت، في المدن الجميلة التي زرت، في التجارب الأولى التي اختبرت، في الأحضان التي حنّت إذا ما هي في البال عنّت

يأتي الماضي في شكل وجوه قديمة؛ تعيد ترتيب الصور في جيوب شفّافة، ويأتي في شكل مآقٍ عقيمة؛ لم تعد تمتصّها جفّافة، ويأتي في شكل قلوب سقيمة؛ وصل دمعها إلى الحافّة. يأتي الماضي في شكل قلب خبيث وآخر نقيّ، يأتي الماضي في صورة إنسان سعيد وآخر شقيّ، يأتي ليشكّل نفسه من جديد، ويغلّف الحاضر كما يريد. هكذا هو يأتي ظاهرا ومستترا! يأتي الماضي في شكل قصيدة بالمشاعر مخمَّرة، ويأتي في شكل خلايا مدمَّرة. يأتي الماضي في شكل أوراق صفراء قد لا تسرّ أيّ ناظر، وأخرى بيضاء وجهها ناضر؛ تعانقها أذرع كتاب. ويأتي في شكل عذاب وعقاب وحساب وعتاب. يأتي الماضي في شكل عَرَض، ويأتي صريحا مشكّلا في مَرَض. يقضي الأطباء أعمارهم في دراسة الماضي وهم يجهلون أنهم يحاولون بعثه وإعادة تدويره ومعالجته ومعاملته بإحسان، ليقوم مرة أخرى في صورة إنسان؛ تعاقد مع الدواء ليشفيه، يحمل ملفا طبيا ليس إلّا كشفا لرصيد الماضي فيه. وحدهم أطباء النفس ينقّبون في الناس عن الماضي ومعانيه، وحدهم يفهمون شدّة هذا الذي تعانيه.

يأتي الماضي في هيئة شعور، وفي صورة كلام مسعور. يأتي الماضي في شكل حروب وصراعات، وفي شكل بنايات واختراعات، وأحلام وآلام. يأتينا الماضي في شكل شجرة ثكلى، وأخرى فضلة، استحالت رفاتا؛ ومن ثمّ أثاثا. يأتينا في شكل بذور وعطور وبخور، وداء ودواء، ومهد ولحد. يأتينا الماضي في هيئة طفل حلو كالثُمُر، وفي هيئة شيخ ردّ لأرذل العُمُر. يأتينا في وجه وصوت شخص يشبه الحبيب الغائب، يأتينا في عربة تقلّ الحقائب، يأتينا في شكل سلوك وانفعال وذلّ وثأر وجريمة، وقد يأتينا في شكل غنيمة وحياة كريمة. يأتينا الماضي في كلّ الصور، منها ما هو ضمنيّ ومنها ما هو صريح، وما الذاكرة إلّا مزار وضريح، وإن كانت كذلك صندوق حفظ النفائس ومستودع الذكريات، تحفظ ما خلّفه المُقيَّدون بالماضي المتعثرون على الطريق والعالقون في قاع الأمس من حكايات.

يا صديقي؛ قيود الماضي لو تدري ممتدّة، كلما تفحّصتها؛ اتّضح أنّها إلى الوراء مرتدّة. بعيدة هي إلى الأعماق، ملتفّة كالطوق حول الأعناق! يا صديقي ما أنت إلّا أثر، والماضي ها هنا يقطر منك كالمطر. كم مرة شاهدت الماضي فيك عاريا، كم مرة شاهدتك في بحره جاريا. كأستاذ التاريخ أراك تدخل قسم الحياة، محكوم عليك بتقليب دفتر الحكايات، لا شيء يربطك بالحاضر غير تاريخ مبشور، خطّه تلميذك بطبشور. وأنت في طريق العودة للخلف؛ تتسلسل كالماء بين الصفّ والصفّ، تضع الحاضر على الرفّ، تضرب الكفّ بالكفّ؛ تغلق النوافذ المطلّة على السّاحة، تمحو بالماضي ماضٍ راقصته مسّاحة. تنفض ما علق فيك من هباء، وشيء ما في داخلك ينادي "يا للغباء، عمرك كتاب تاريخ أبتر، ألبوم صور لا أكثر! فلم هذا العناء؟ أنت أيها الوجه الرمادي، أنت لا تزال معلقا في حبل الماضي!" سوى أنك تخاطب نفسك كما لم يخاطب معلّم التاريخ نفسه يوما، ولا تزال في كلّ مرّة تجبرها على الردّ! مقيّد أنت بالماضي يا صديقي إلى أبعد حدّ!

كم مرّة شاهدت الماضي مكتوبا بخطّ واضح في فحوصاتك الطبيّة، يتحدّث بلغة الأرقام، يتمركز في زوايا جسدك الخفيّة، يشيّد غرفة بين العظام، يقفز من ركن لآخر، يجوبه إلى الآخر، يبتسم بثغر ساخر، يخرج في تحاليلك، يلتقط صورة تحت الأشعة، يلعب ويقفز بالحبل في رأسك، يحمل الأثقال في صدرك، يقلّب أتربة القلب بفأسه، يدور كالأطفال حول صحن الدار في الأحشاء، ليتفجّر من حيث شاء، يسميه الطبيب مرضا بينما هو تراكمات الزمان فيك، تلك التي لم تترك للسلام مَعْلما يحييك، ولم تنمُ خلاياها طبيعيا، فانقسمت تدريجيا، واخترقت نسيج جسمك كالسرطان؛ لتنتشر في كلّ مكان. يأتي الماضي يا صديقي في شكل مرض، وما الأمراض يا صديقي أمام الماضي سوى مرايا؛ تصنعها الهموم والحكايا! مبالاة وأمل ويأس وخذلان، إهمال وتأجيل وأحزان، فقدان وانتظار وكتمان.

يا من تجلس أمامي بقلب حزين، يقيّدك الماضي كحقد دفين، يعيد بثّ أشرطته فيك، يسألك عن أيام مرّت، عن علاقات ما استمرّت، عن حبّ تسلّل منك في لحظة إنفاق، عن وجوه أخرجها النفاق، وأخرى لم تدرك قيمتك، خدعتها المظاهر، فاختارت موطنا آخر. يستوقفك الماضي في حيّ قديم، في موقف أليم، في حديث عابر يناقش فكرة، في اسم ماضٍ أخذ يحرّك قلبك بملاعق الذكرى. يستوقفك الماضي في أزقة ضيقة، كنت تتردد عليها رفقة أبيك، يستوقفك في مكتبة عتيقة كانت تغذي فكرك وتسليك، يستوقفك في أحلام الصغار التي انبثقت، تتذكر أحلاما كنت تخيطها تمزّقت، وكنت تستنشقها تبخّرت ولم يبق منها شيء عداك أنت.

يقيّدك الماضي في أوّل فشل، يجعلك تعود إليه كلّما تعثّرت، يقيّدك في أوّل عيون أحببت، في الأغاني الأولى التي بها تعلّقت، في المدن الجميلة التي زرت، في التجارب الأولى التي اختبرت، في الأحضان التي حنّت إذا ما هي في البال عنّت. يقيّدك الماضي في البيت الأول الذي قطنته، في مرارته التي كانت، يذكرك بمحلول صبر خفّفت به الظروف لتهون، ونازلت به الصروف لتكون. يقيّدك الماضي في الحبّ الأوّل والجرح الأول والخذلان الأول والصدمة الأولى، يسدّ عليك الفرص كلما غيّرت المسارَ، يتحايل عليك كلّما تذوّقت الخسارة. يقيّدك الماضي في كلام قيل، لا زال يدوس فؤادك بدلوه الثقيل، يقلّبك في كلّ حرف، يحيط بك من كلّ طرف.

هو الماضي فيك كالقمامة تجمّر، هو ذا الماضي فيك تخمّر، ما فتئ يرفس حاضرك الذي تدمّر! تحرّر من الماضي يا صديقي تحرّر وتخلّص من النفايات، فكلّ ماض أليم ما هو سوى فضلات. قلت لك سابقا إنّ الذاكرة صندوق حفظ النفائس، لا المخلفات والنقائص، قم تخلّص وقلبك كنّس وكالصبح تنفّس. يا صديقي، إن كان الماضي الذي تجترّه قمامة فلتجعل من حاضرك بكتيريا تحلّله وتحوله إلى طاقة، لا حاضرا يعيش في فاقة، وإن كان ما علق فيها من الخشب أو البلاستيك، كن شعاع الشمس الذي يذوبه بمجهودات حارّة قبل أن ينهيك. قم بدفن التي تستحق الدفن، احرق التي يناسبها الحرق، أعد تدوير الأخرى، ولّد طاقتك من مخلفات الذكرى، وتذكر أن فضلات أحدهم يمكن أن تكون غذاء آخر. وما أذكى أن تكون نفايات الماضي الغادر غذاء الحاضر، فتحميك من الألم المكرّر وتنير حاضرك المحرّر. حوّل نفايات الماضي إلى سماد قبل أن يحوّلك إلى جماد، أضف سماد الماضي لتربة حاضرك الصّريع، وأعن زهور الحياة فيك على النموّ السّريع. يكفيك بكاء على الأطلال، فكّ ما عليك من أغلال، كن أنت الضياء يا صديق، دعك من دروب الماضي وكن أنت الطريق. وكفى بالله حسيبا وكفى بالله حبيبا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.