"الأربعاء الأخير".. مليونية في وداع صاحب البندقية

عشر شهور مضت على حراك الجزائريين، جمعت الناس على مختلف أطيافهم وأشياعهم، أيام مضت يضرب بعضها بعضا بأمثال المجد والكفاح والنضال، كأنّما سنين جمعت من أحرف تناساها الزمان، أناسي كثيرة جابت شوارع وأزقة حاراتنا، حاملة لافتات لا تلعن تاريخها ولا تسب إرثها ولا تنقص من حق الإنسان في الحياة، عشر شهور تعيد لنا صورة العربي الثائر في وجه الطغيان، المتحرر من جبروت الظلم والاستبداد..

عندما نزل الشعب الجزائري يوم الثاني والعشرين من فبراير ٢٠١٩ معلنا عن رفضه ترشح الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، تبادر في ذهن الكثيرين ممن رأى مألات الانتفاضات العربية ببعض بلدان ساحل جنوب المتوسط والشرق الأوسط، وحجم الدمار والخراب الذي حل بالعراق وأفغانستان إزاء التدخل الاستعماري للولايات المتحدة الأمريكية، إلى دور الجيوش العربية وقياداتها في استيعاب الرهانات الجديدة للمد التحرري الثاني، وخطر التدخلات الخارجية للألة الاستعمارية الجديدة، ومع إنطلاق حراك السّودان والجزائر وما حملهما من تحديات للأنظمة المستبدة، وما مدى قدرة مؤسسات الدولة من امتصاص الهبة الشعبية الثانية، التي على ما يبدو تبستشر بربيع خليجي طال انتظاره.

استطاع الجيش الوطني الجزائري أن يقدم نموذجا مختلفا عن تلك التي سبقت وأن شاهدتها شعوبنا المقهورة تحت نيران العدو والصديق، من تحريف المسار الوطني للمؤسسة الأكثر تنظيما في دولنا العربية

ظل الخوف من المؤسسة العسكرية باعتبارها الحاكم الفعلي، والمهدد الرئيس للانتقال الديمقراطي، والتصدي لفكرة مدنية الدولة، يضرب موعيدا مع كل استحقاق تاريخي تأذن الشعوب فيه لذواتها بالتحرر وللانتعاق مما احتلها زمنا طويلا، تجسد ذلك عندما بدأت بعض الأصوات داخل الحراك الجزائري برفض الممارسات (التعسفية) التي تعرضت لها نخب سياسية واجتماعية طيلة سنوات حكم النظام السابق، خرجت القيادة العامة للجيش الوطني عن صمتها في خطاب لها تدعوا الجميع لاحترام الحريات وحق التظاهر والعمل على حماية الحراكيين، لتعود حينها صورة قائد الجيش احمد القايد صالح إلى الواجهة معلنة عن امتحان المسار الوطني للحراك الجزائري.

دعى نائب وزير الدفاع رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح، إلى تطبيق المادة ١٠٢ وصولا إلى تفعيل المادتين ٧ و٨ من الدستور الجزائري للخروج بحل للأزمة السياسية، والتصدي للمخططات الدولية التي تتربص باللحمة الوطنية وبأي "ثورة سلمية" من شأنها أن تهز أركان الاستبداد وتفرض واقعا جديدا، الأمر الذي استوجب دعوته للرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة للاستجابة لمطالب الشعب والعدول عن فكرة العهدة الخامسة، وحينما أعلن صاحب البندقية (مول الموكحلة كما كان يدعى) جاهزية الجيش الجزائري لحماية أي متظاهر وعدم التعرض له، بعد ما حاولت جهات زعزعة الاستقرار، ببث خطابات الكراهية والعنصرية واستعمال العنف بصفة غير (قانونية).

اشتد ساعد الحراك فأصبح نهرا جارفا لكل متلون، فكان بكل جمعة أناشيد وشعارات وهتافات تلقف الأسد بعضها عام ٢٠١٣ بكثير من الهدايا الكلورية والبراميل المتفجرة ودماء رخيسة، بل إن جمعا كثيرة حملت عناوين مختلفة لمناضلين ومفكرين اقتادهم الموت على حين غفلة من الحراكيين، إلى جنان الله الأبدية وإلى فردوسه العظيم، وتركت خلفها مشاهد لفض اعتصام رابعة العدوية بمصر، الذي أودى بحياة ابعديد من الأبرياء من الاطفال والشيوخ والنساء، لا لشيء إلا لأنهم رفعوا صوت خلاصهم ورفضهم للانقلاب الذي قاده الجنرال عبد الفتاح السيسي ضد ديمقراطية فتية. إن ما فعلته القيادة العامة للجيش الجزائري من حماية للمتظاهرين وحفظ للامن العام والسهر على عدم زعزعة الاستقرار الوطني، إنما كان نتيجة للحنكة السياسية والخبرات الأمنية التي تعلمتها مجموعات وطنية داخل المنظومة العسكرية، من خلال قراءة وتحليل الوضع الإقليمي والدولي خاصة بعد انتفاضات الربيع العربي، كان اختيار المؤسسة العسكرية مع قيادتها الرشيدة الوقوف "مع الشعب أو ضده"، امتحانا فشلت فيه العديد من الجيوش العربية وقياداتها، ما جعل ظغوطاتها على مؤسسة الرئاسة تتوج "باستقالة الرئيس (الأسبق) عبد العزيز بوتفليقة".

بعدما تولى بن صالح رئاسة الدولة دعت المؤسسة العسكرية على لسان قائدها أحمد قايد صالح (رحمه الله)، الشعب الجزائري ومؤسساته للتمسك بالحلول الدستورية وتقديم مخرجات للأزمة (الثورية)، ورفض لفكرة المراحل الانتقالية التي كانت تتبوء مؤشرات الفشل ببلدان الربيع العربي، بسبب انتهازية المنالضجية والحركات المتطرفة واليسار التيستولوجي، الذين وقفوا ضد تطلعات شعوبنا العربية، وبدل أن تكون ممارسة الحرية والعدالة والديمقراطية غاية تلك النخب السياسة والثقافية، راحت تلبس ثوب الشعبوية من حساباتها وعقدها الكثيرة أمال الشباب الذي يبحث عن غد يليق به.

كان تبني فكرة التمسك بالحلول الدستورية انطلاقة جديدة لتفعيل مؤسسات الدولة كالمجلس الدستوري والهيئات القضائية لوضع خطة طريق تنقل المطالب واللافتات إلى واقع حقيقي يتم من خلاله فتح مسار أمن نحو جمهورية جديدة (ثانية)، وبعد أن تم سجن رؤوس العصابة وتحرير القضاء، وفتح ملفات الفساد المالي والسياسي بدأ العمل على مواجهة ردة فعل الدولة العميقة والكيانات الضارة واللوبيات المالية، التي عتت في الأرض فسادا سنين عددا، حينها استبدل الصراع العمودي السلطوي بصراع بين فئات كانت بجُمع قريبة تمشي العشرات من الأميال جنبا إلى جنب، ومع اختلاف الرؤى حول الحراك ذاته كونه ثورة شعبية أو حركة إصلاحية تخلت الفئة الاصلاحية من الحراك عن الدفع قدما نحو شيطنة الإصلاحات التي قامت بها قيادة الجيش، في حين رفض دعاة (الثورة السلمية) أية محاولات للانتقال "الأمن للسلطة"، معتبرين خطابات الفريق أحمد قايد صالح تدخلا في الحياة السياسية والمدنية.

مثلما خرجت الجموع تشهد جمعا كثيرة، أظهر الشعب الجزائري التفافه وإيمانه بجيشه وقيادته الراحلة، فخرجت تتلقف جثمانه بالزغاريد والورود والبكاء وهي متشبتة بقيمها وحسها الإنساني

استطاع الجيش الوطني الجزائري أن يقدم نموذجا مختلفا عن تلك التي سبقت وأن شاهدتها شعوبنا المقهورة تحت نيران العدو والصديق، من تحريف المسار الوطني للمؤسسة الأكثر تنظيما في دولنا العربية، بل إن نخبتها بقيادة الفريق أحمد قايد صالح ساهمت في تحييدها عن الحياة السياسية ودعوة الحراكيين إلى بعث ممثلين لهم، وقدمت مبادرات للحوار الوطني الوطني، بعيدا عن فنادق جنيف وأرقام مؤتمراتها الكثيرة، إلى جانب وقوفها مع الشعب ضد إرادة سياسة سلبت مجتمعنا الجزائري القدرة على الإبداع الثقافي والاجتماعي والسياسي، ويوم اتخذ القضاء اجراءته القانونية ضد القطط السمينة (المافيا المالية)، رمي القيادة العسكرية بسهام القمع والخديعة، إلا أن الاتهامات تلك تداعت حالما تمسكت المؤسسة العسكرية بمطالب الحراك ودعت الجميع للانتقال نحو ممارسة ديمقراطية حضارية، تسع الجميع بهوية قانونية وراية وطنية ودولة مدنية، وكان ذلك يوم الثاني عشر من ديسمبر ٢٠١٩.

بعد أيام قليلة من لحظة تتويج السيد عبد المجيد تبون في رئاسة الجمهورية الجزائرية، وتكريم الأخير للفريق احمد قايد صالح، أعلن عن وفاة الرجل الذي أقسم أن يحمي الشعب، وأن لا تسال قطرة دم واحدة، وأن يحفظ للجزائر كرامتها وتاريخ أمجاد شهدائها، وأن لا يترك للمستعمر الجديد ذرائع للتدخل، بسبب سكتة قلبية صمت معها الجزائريون ثلات أيام حدادا. إن وفاة الفريق احمد قايد صالح (رحمه الله) رفعت اللثام عن حقيقة فعلنا الثوري، وقدرة ذواتنا على التخلص من أنانيتنا الزائدة، ومن زيف دعوات تحررنا، قال أن الشعب الذي بدأ ثورته منذ ١٨٣٠ ضد الاستعمار الفرنسي لا ١٩٥٤، حري بنا أن نحميه من العصابات التي أفرغت خزائن أرضه وبحره، ما قدمه الفقيد لم يكن منحة لهذا الشعب الأبي والثائر، بل كان خدمة له وشرف ختم به حياة نضالية، شعب عانى من ويلات المستعمر الفرنسي بسبب نصرته وتقديم المعونة للمناضلين الجزائريين. لقد استحق الجيش الجزائري مع قائده شرف الثورة وشعبها.

ومثلما خرجت الجموع تشهد جمعا كثيرة، أظهر الشعب الجزائري التفافه وإيمانه بجيشه وقيادته الراحلة، فخرجت تتلقف جثمانه بالزغاريد والورود والبكاء وهي متشبتة بقيمها وحسها الإنساني، لقد انتقلت الحشود من ولايات مختلفة إلى العاصمة كي تشهد اللحظات الأخيرة لجثمان الفريق أحمد قايد صالح، قبل أن يوارى الثراب. يوم الأربعاء ربما سيكون الأكثر حزنا في تاريخ الدولة الجزائرية، مع ما حمله من أمال لجيل حلم بالحرية والعدالة الاجتماعية، أربعاء أسكت أبواقا كثيرة رغبت في أن تعيد العشرية السوداء في لحن جديد، وهي التي خذلت ربيع صحوة شعوبنا في مصر وسوريا واليمن، أصوات ساءها وقوف الجيش التونسي إلى جانب شعبه، ووقوف الجيش الوطني الجزائري إلى جانب شعبه. أربعاء سيذكر الكثير من الأشياء التي ختمت عشر شهور لحراك بُعث من جديد، على نغم ءاخر هذه المرة، حيث لا عهدة خامسة ولا باءات ثلاث ولا شيء مما تتذكره جمعتنا الأولى.

وإذا كانت الحرية والخبز مطلبان أساسيان لكي يصبح الفرد منا إنسانا، إلا أنّ الاختيار بينهما يكمن في حاجتنا لأي منهما، فالمشكلة التي تواجهنا لا تكمن في فشل التغيير، بل في استعدادنا للحظة التاريخية، حيث لا أبواب موصدة ولا مرايا مقعرة، بل ذواتا محصنة بإنسايتها وحسّها الوطني، تلك اللحظة التي جعلت الكثيرين ممن ثاروا يتنافسون على السلطة لا على الإنسان..



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة