هل يخدم حياد الدبلوماسية التونسية المسألة الليبية؟

blogs أردوغان وقيس سعبد

إن السياسة الخارجية للدولة التونسية قد تميزت ومنذ نشأة الدولة الحديثة في تونس مع حمودة باشا بالحيادية والسلمية في التعامل مع الجوار الجغرافي ومع بقية دول العالم ولذلك كانت تونس من أول الدول التي شكلت علاقات دبلوماسية مع اليابان مثلا بل من أول الدول التي اعترفت بالدولة اليابانية ولذلك يسافر اليوم التونسيين لليابان دون تأشيرة تقديرا لتلك السياسة. كما أن الدولة التونسية كانت من أول الدول التي بنت علاقات دبلوماسية وثقافية مع الولايات المتحدة منذ قيان الاتحاد بعد الثورة الأمريكية ضد إنجلترا بدعم فرنسي. هذه السياسة القائمة على الحيادية والاحترام المتبادل مع الدول تواصلت بعد الاستقلال عن فرنسا مع مؤسس الدولة المعاصرة في تونس الزعيم الحبيب بورقيبة حيث نأت تونس بنفسه عن كل المحاور الإقليمية والعالمية وكان لها رؤية خاصة للقضية الفلسطينية تختلف عن السائد في ذلك الوقت.

لقد كان لتونس رؤية خاصة للجوار الليبي بحكم العلاقات التاريخية الغارقة في القدم بين الدولتين التي تمتد لآلاف السنوات والتي جعلت من الشعبين شعبا واحدا فهناك امتداد عائلي بين القبائل التونسية والليبية ولم يكن الفصل الحدودي إلا نتيجة للاستعمار ولذلك سعى الكثير من السياسيين لمحاولة بناء وحدة بين الدولتين اصطدمت بالكثير من العوائق الذاتية والموضوعية وباختلاف وجهات النظر بين تونس وليبيا في السياسة الخارجية خاصة في زمن الزعيم الليبي معمر القذافي ولذلك يبدو اهتمام تونس بليبيا أمرا حيويّا من الناحية الإستراتيجية والأمنية لتونس وشعبها فليس من مصلحة تونس ترك ليبيا لقمة صائغة لكل من هب ودب من دول الإقليم والقوى الكبرى على حساب المصالح الوطنية الليبية والتونسية.

رئيس الجمهورية من جهة ورئيس الحكومة المكلف من جهة ثانية مطالبان بحسن اختيار وزير الخارجية الجديد فلا مجال في الوضع الدقيق الذي تمر به تونس والمنطقة لاختيار نكرة لا علم له بالوضع السياسي الدولي

يبدو من جواب الرئيس التونسي قيس سعيد في الزيارة المفاجأة للرئيس التركي حول الاتفاق الليبي التركي أن تونس اختارت الحياد في المسألة الليبية ولن تكون طرفا في أي محور من المحاور المتصارعة على الثروة الليبية. فحقيقة الصراع في ليبيا هو أنه صراع على ثروتها فلو لم تكن ليبيا ثرية وغنية بالموارد الطبيعية من غاز ونفط لما اهتم بها أحد ولتركت لمصيرها.

إن تونس وباختيار الحياد تحافظ على مصالحها الاستراتيجية في ليبيا وتحمي أمنها الخاص مسنودة بالجزائر التي تتبنى نفس الطرح. فتونس والجزائر متفقتان أن الحل في ليبيا ليس حلا عسكريّا بل سياسيّا ولأنه لا يمكن السماح لمجرم الحرب حفتر بالسيطرة على الحدود الشرقية للدولتين لما يمثله من خطر على أمن المنطقة عمومية وهو الرجل الذي عرف بمغامراته العسكرية هنا وهناك وهو البيدق الذي لن يتردد في جر الدولتين للحرب إذا ما دفع له من أجل ذلك من قبل القوى التي تريد ضرب الدولة الديمقراطية في تونس وتفكيك الجزائر إلى دويلات مذهبية وعرقية. فحفتر ليس إلا مرتزق مستعد للتضحية بالمغرب الكبير كله من أجل رفع رصيده البنكي فهو رجل بلا مبادئ أو قيم أو مشروع وطني ثوري مثلما كان من قبله الزعيم الراحل معمر القذافي. إنه مجرد كلب حراسة للمصالح الإقليمية والفرنسية على حساب ليبيا وجوارها. فهو ليس إلا مشروع ديكتاتور خادم لأسياده في الإقليم ولفرنسا التي تريد نهب ثروة ليبيا مثلما تنهب ثروة تونس. إنه الصورة المثلى للديكتاتور التافه التي أصبحت الصورة الرمزية لكل الطغاة العرب اليوم.

رغم كل ما يتصف به حفتر فإن واقع الحال يفرض على الدولة التونسية التي اختارت الحياد في المسألة الليبية أن تتفاوض معه بصفته طرفا مسيطرا ولو بقوة السلاح والنار على شرق ليبيا وأن تحاول دفعه للجلوس مع بقية الأطراف الليبية للوصول لحل مشرف للجميع يلبي الحد الأدنى من مطالب الكل ويحافظ على وحدة ليبيا أولا وثانيا يحمي الثروة الليبية من الفاسدين وأن ترتهن للقوى الكبرى وخاصة فرنسا التي ضربت بكل القرارات الدولية حول ليبيا عرض الحائط وهو أمر ليس مستغربا من دولة عرفت سياستها الخارجية مع المنطقة المغاربية بالغطرسة والهيمنة والتحكم ولعل ما يقوم به سفيرها في تونس أكبر دليل على ذلك فهو يتصرف كمقيم عام وليس كسفير عليه احترام سيادة الدول.

إن تجاوز الحرب الأهلية المستعرة في ليبيا من أولى أولويات السياسة الخارجية التونسية وهو الأمر الممكن مع اختيار تونس نهج الحياد ولعل ذلك ما دفع الرئيس التركي لزيارة تونس ليس فقط لطمأنتها أن الاتفاق مع ليبيا لا يمس المصالح الحيوية لتونس بل لعلمه أن الوساطة التونسية في الشأن الليبي قد تأتي بنتيجة تنهى الصراع الدموي هناك ولا تريد تركيا أن تكون خارج مكاسب ذلك الاتفاق المتوقع ولو بعد حين. وعلى تونس أن تدعو كافة الدول الفاعلة في الشأن الليبي للمشاركة في الحل لأنه في حال عدم القيام بذلك فإنها لن تسمح ببيدقها حفتر بالجلوس في طاولة المفاوضات وهو الأمر الذي يهدد بتحول ليبيا لساحة حرب عالمية إقليمية مدمرة للبلد ومكلفة للجوار وخاصة لتونس.

من أجل تحقيق هذا فإن رئيس الجمهورية من جهة ورئيس الحكومة المكلف من جهة ثانية مطالبان بحسن اختيار وزير الخارجية الجديد فلا مجال في الوضع الدقيق الذي تمر به تونس والمنطقة لاختيار نكرة لا علم له بالوضع السياسي الدولي ولا خبرة له على رأس وزارة الخارجية كما أنه يجب أن يكون الوزير ممن لهم خبرة في معالجة الأزمات الدولية فلا مجال للمغامرة في تعيين وزير الخارجية حماية لمصالح تونس الحيوية. إن الحياد هو الوسيلة المثلى للحفاظ على المصالح الحيوية التونسية ولإنقاذ ليبيا من الحرب الأهلية المدمرة التي لن يستفيد منها إلا أعداء الشعبين التونسي والليبي ولا تخدم إلا أعداء حرية الشعوب شرقا وغربا.



حول هذه القصة

BLOGS منصة غاز

منطقة شرق المتوسط ليست فقط مهمة باحتياطاتها الضخمة من الغاز الطبيعي والبترول، بل بأهمية جغرافية كبيرة حيث أن المنطقة تقع بالقرب من أكثر المناطق استهلاكاً للطاقة، وهم دول الاتحاد الأوروبي.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة