كن واقعيا واطلب المستحيل

blogs تفكير

هذه العبارة التي يعزوها البعض للثوري الشهير تشي جيفارا ويربطها آخرون بحركة الاحتجاجات الطلابية الفرنسية إبان ستينيات القرن المنصرم، تختزل إلى حد كبير قاعدة أساسية من قواعد العمل السياسي والاجتماعي، التي يرتبط بها إلى حد كبير نجاح الحركات السياسية والاجتماعية التي تنشد التغيير، إذ لا بد لأي مشروع نهضوي ثورياً كان أو إصلاحياً، أن يقدم أجوبة على الأسئلة التالية كشرط أساسي لإحراز التقدم والنجاح:

1-ما هو الواقع؟

2-ماذا نريد؟

3-كيف يمكن تحقيق ما نريد؟

 

نقطة البداية ينبغي أن تكون بفهم ودراسة الواقع بشكل شامل ومعمق، إذ لا يمكن تشييد بناء على أرضية لا نعرف طبيعتها ولا ندرك أبعادها، وهذا يستلزم منا بذل جهود كبيرة في تشريح الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي لمجتمعاتنا، ومعرفة القوى الفاعلة والمؤثرة في عالمنا بديناميكيتها وتوازناتها، مثل هذا الجهد يتطلب أحياناً فرق عمل متخصصة ومراكز أبحاث ودراسات تستخدم مناهج البحث الحديثة لفهم الواقع بشكل علمي بعيداً عن العواطف والأحلام والشعارات.

  

يمكن أحياناً وبحذر شديد تبرير بعض السياسات من قبيل "دفع الشرر الأكبر بالشرر الأصغر" أو "الضرورات تبيح المحظورات" تحت دعوى الواقعية، لكن ينبغي أن يكون هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها

إن سؤال الواقع يقودنا بالضرورة إلى قراءة التاريخ، إذ لا يمكننا فهم واقعنا المعاصر دون قراءة أحداث التاريخ التي مهدت له وأوصلتنا إلى حالنا التي نحن فيها، ويتطلب ذلك أيضاً إلماماً بسنن التغيير وأحوال الجماهير ومطالبها وما يحركها، مع الإجابة عن سؤال "الواقع" نحتاج أيضاً أن نجيب عن سؤال "النظرية": ماذا نريد؟ وهو سؤال يستلزم جهداً فكرياً استثنائياً يبدأ رحلته في البحث عن الهوية والتنقيب عن الذات، ويتطلب ذلك دراسة لا تخلو من حس نقدي معرفي لتراثنا الثقافي والحضاري وتراث الأمم الأخرى، لتنتهي بنا حالة الفرز والغربلة إلى صياغة فلسفة ونظرية تستند إلى القيم والمبادئ التي نسعى إلى تحقيقها وبشكل يتجاوب مع متطلبات العصر، مع أهمية الحذر من الوقوع في فخ الأيديولوجيا التي قد تصادر حرية الفكر والرأي بعقيدة دوجماتية مغلقة، غير قابلة للتطور والتفاعل مع متغيرات الزمان والمكان.

 

أما السؤال الثالث فإجابته تعتمد إلى حد كبير على معطيات السؤالين الأول والثاني، إذ تمثل إجابته "برنامج العمل"، والآلية أو الجسر الواصل بين النظرية والواقع، وتتطرق الإجابة على هذا السؤال إلى الاستراتيجيات والتكتيكات التي يمكن اتباعها لتحقيق النظرية، بناءً على الوسائل المتاحة وبما لا يتضارب مع المبادئ والأهداف النهائية، وتختلف أدوات العمل السياسي من مكان لآخر ومن زمن لآخر حسب معطيات الواقع المتغيرة بطبيعة الحال وحسب الهدف المنشود، من هنا يأتي مبدأ المرونة في العمل السياسي.

 

إذا تناولنا العالم العربي فسنلاحظ أن هناك تقصير كبير وخلط في الإجابة عن هذه الأسئلة، وهو ما يفسر إلى حد ما تخبط الحركات الاجتماعية والسياسية الساعية إلى التغيير في عالمنا العربي، إذ لم تفهم كثير من هذه الحركات الواقع المحلي والدولي بعمقٍ كافٍ، وغلب على قراءتها للتاريخ الطابع العاطفي والتبجيلي مع ضعف الحس النقدي والعلمي اللازم لتفكيك بعض مشاكلنا المزمنة والتي تضرب بجذورها في عمق التاريخ. ومما زاد الحال سوءاً هو ذلك الفقر المعرفي الذي يسود العالم العربي في العلوم الاجتماعية والإنسانية والتي لم تتلق الاهتمام الكافي، لذلك لم نقدم إجابة كافية عن السؤال الأول ما هو الواقع؟

  

من جهة أخرى ليس هناك إجابة واضحة عن السؤال الثاني "ماذا نريد؟"، إذ لم تقدم معظم الحركات السياسية في العالم العربي على اختلاف توجهاتها سواءً أكانت إسلامية أو قومية، أو ليبرالية أو يسارية فلسفة واضحة ومتماسكة ومرتبطة بواقعنا، وبقيت هذه الحركات في كثير من الأحيان أسيرة شعارات فضفاضة أو غامضة مثل "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" أو "الإسلام هو الحل". يبدو التخبط واضحاً أيضاً في الإجابة عن السؤال الثالث حول خطة العمل والوسائل المناسبة، إذ جنحت بعض الحركات على سبيل المثال إلى العنف المفرط غير المبرر فأدخلت بلدانها في أتون حروب أهلية خسر فيها الجميع، فيما لجأت بعض الحركات إلى الانقلابات العسكرية فأنتجت أنظمة دكتاتورية فاشلة.

  

أخيراً وليس آخرا، من المهم جداً أن نفهم الواقع بمعزل عن الأحكام الأخلاقية، إذ علينا ألا نشوش فهمنا للواقع بإسقاط منظومتنا الأخلاقية عليه، فالدول على سبيل المثال تتحرك في الغالب وفق مصالحها ولا تتصرف كجمعيات خيرية وهذا ما عجزت بعض حركات المعارضة عن استيعابه، لكن في المقابل ينبغي أن يكون السؤال الأخلاقي حاضراً بقوة في تحديد الهدف ووسائل العمل، إذ ينبغي أن تنسجم أهدافنا مع قيمنا ومبادئنا وأخلاقنا، وينبغي أن نحذر من أن ننزلق في التبريرات والتنازلات بدعوى الواقعية إلى الحال التي نتبنى فيها سياسة "الغاية تبرر الوسيلة" فالأهداف في نهاية المطاف ما هي إلا وسائل متراكمة، والغاية الشريفة لا تسلم من دنس الوسيلة الخسيسة.

 

يمكن أحياناً وبحذر شديد تبرير بعض السياسات من قبيل "دفع الشرر الأكبر بالشرر الأصغر" أو "الضرورات تبيح المحظورات" تحت دعوى الواقعية، لكن ينبغي أن يكون هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال، على سبيل المثال لا يمكن تبرير قتل المدنيين المسالمين تحت أي عذر، ولا يمكن استخدام انقلاب عسكري على سلطة مدنية منتخبة كوسيلة للتغير تحت أي مبرر، وينبغي أن نتذكر بأننا نفقد البوصلة والمصداقية عندما تصبح المبادئ في خدمة المصالح، مع أن الأصل أن تكون المصالح في خدمة المبادئ وبما لا يتضارب معها.