ينقصنا الأدب أكثر من العلم!

إن مما يثير البؤس والحسرة في القلب بأننا نعيش في زمان تتزاحم فيه النظريات التربوية ودروس التنمية البشرية الحديثة وننسى البديهيات الأساسية التي يجب ألا تغيب عنّا ونضعها صوب أعيننا في شتى مجالات حياتنا. تراهم يجعلون ميزان التفاضل في الإيمان بين الناس وفي الحضارة بكثرة العلم مجرداً من أي عوامل أخرى؛ فعلى سبيل المثال يقول لك أحد معارفك أترى ذلك العالم أو الشيخ أو الداعي أو المفكر، هو متبحراً في العلم، ثاقب الذهن، واسع المعرفة، حسن المأخذ، عميق الفهم، غريز الفكر، موطأ الاكناف، نبيل المداخل، فقيه الاختلاف، قليل الجهل، تام الأصالة، كامل البينة.. فلا تغّتر بكل ذلك، فلمقام واحد مسيء للأدب كفيل بوقوع كل تلك الألقاب مقرونة بالعقوبة حتى وإن تأخرت فمع الإمهال والإهمال لفرص الانتباه والتنبه لطريق المغفرة وإلا فالعقوبة حاصلة، وانظر إلى إبليس كيف غرّه ما ظن أنه حصّله من العلم والعبادة حتى أن الله رفعه في الملأ الأعلى وأصبح ذا مكانة عليا بين الملائكة، لكنّ! ذلك لم ينفعه بشيء عندما أساء الأدب مع رب الأرباب، فلم يضره قلة العلم وانما ضره قلة الأدب والخُلق (الاستكبار)، فأصبح نموذجاً واضحاً ملعوناً مطلقاً في الدنيا والآخرة لكل من يسيء الأدب. فصدق الشعراء حينما قالوا:

"لو كان في العلم دون التقى شرف …. لكان أشرف خلق الله إبليس"
"لا تحسبنَّ العلم ينفع وحده …. ما لم يُتَوَّج ربُّـه بخـلاق"

الأخلاق والآداب معيار ثابت راسخ في التفاوت بين الناس كافة وبين المسلمين خاصة، فالفرائض كلها تؤدى من قبل الكثير الكثير من المسلمين، فكيف يتفاوتون فيما بينهم؟ أليس بحسن خلقهم! فالشرع قد اهتم بالأخلاق والآداب قبل طلب العلم، ألم يكن مبعث النبي – صلى الله عليه وسلم – للبشرية هو الخُلق، فقالها صراحةَ واضحةَ مطلقة "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، أليست مكارم الأخلاق تحتل أكبر مساحة من الدين، بل إن الدين كله خلق، فربنا سبحانه وتعالى يقول مخاطباً نبيه: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ" وفي موضع آخر موضحاً باللين والاحتواء للصحابة في ظروف كانت لتزلزل وتفرق الجموع فيقول – جلّ جلاله – "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ". فلم يكن الشرط دائماً أنه ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، فما لا يمكن تحقيقه بالقوة من الممكن تحقيقه بالأدب والثبات والشجاعة والودّ والتغافل..

ولا ريب في كل ذلك، فقد جاءت الأخبار كثيراً عن المتقدمين حيث كانوا ينتخبون لأبنائهم ممن يؤدبهم قبل أن يعلمهم فإذا أرسلوا أولادهم لأهل العلم ليأخذوا من علمهم، أمروهم قبل العلم أن يتأدبَّوا بأدبهم وهديهم، وكانت وظيفة (مؤدبّ الأمير) من الوظائف المعروفة المشهورة عند العرب، أذكر منها ما قرأته في سيرة الإمام المؤدب أبو زكريا الفراء صاحب كتاب المعاني تلميذ الإمام الكسائي في اللغة، في زمان الخليفة المأمون ابن هارون الرشيد (سابع خلفاء بني العباس) حيث أدهش المأمون في هذا الكتاب العظيم، الذي استهوله القراء والمفسرون، ونال ثناءهم وإعجابهم حتى قال قائلهم: "كتاب المعاني كتاب لا يمكن لأحد أن يزيد عليه!" فكانت الرغبة شديدة في نفس المأمون والظروف مواتية، بأن يدفع بكلا ولديه إلى الفراء ليغرس في نفسيهما الأدب ويلقنهما النحو والصرف.

الأدب وحسن السمت والخلق مطلب ديني ودنيوي قلّ في الناس الآن من يلتفت إليه، بل إنّ البلايا لم تتوال علينا إلا يوم هجر الناس للأدب والخلق الحسن، وأقبلوا على العلم، ولم يزينوه بحليته الواجبة

فما كان من الفراء إلا أن يكون بمستوى المسؤولية التي أنيطت به، فلم يبخل على هذين الحدثين بجهد، حتى صارا شديدي التعلق بإستاذهما، لا يأنسان إلا إلى قربه ومعسول أحاديثه، فضلاً عما كانا يكنان له من إجلال واحترام. وذات يوم نهض إلى قضاء حوائجه، فابتدرا إلى نعله يقدمانها له!، والأدهش أنهما تنازعا أيهما يقدمها !فاصطلحا أن يقوم كل واحد منهما فرداً فقدماها!، وكان المأمون له على كل شيء صاحب خبر، فرفع ذلك الخبر إليه، فوجه إلى الفراء من استدعاه، فلما دخل عليه قال: من أعز الناس؟! قال: ما أعرف أعز من أمير المؤمنين، قال: بلى، من إذا نهض يقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى رضي كل واحد منهما أن يقدم كل له فردا، قال: يا أمير المؤمنين لقد أردت منعهما عن ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها، أو أكسر نفوسهما عن شريفة حرصا عليها!

فلا نستغرب عندما طلب عبد الله ابن المبارك الأدب ثلاثين سنةً، وما كانت توصي أم الإمام مالك لابنها بأن يطلب الأدب من معلمه قبل أن يأخذ العلم منه. وما كان يقول لتلميذه الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى -: "يا محمد، اجعل علمك ملحاً وأدبك دقيقاً". فللنظر كيف حرص هؤلاء على تعليم أولادهم وتلاميذهم الأدب قبل العلم والخلق قبل الفقه، حتى إذا ما تعلم الطالب وتصدر للتدريس كان لديه من الأدب والخلق ما يكفيه من الوقوع في الزلل أو الخطأ.

فلا قيمة ولا جوهر للعلم إذا كان صاحبه ينتقص مبادئَ التربية بسلوكه وأخلاقه؟! ولم يظهر ذلك من خلال أدبه مع أهله وأساتذته وإخوانه وطلابه وكتبه بل حتى مع من يخالفه ديناً أو عقيدةً أو مذهباً أو منهاجاً أو رأياً؟! فالعلم ليس مجرد كتب تحفظ أو معلومات تلقى أو صفوف تدرس، بل هو تربية وإعداد، وترسيخ مفاهيم، وغرس قيم وأخلاق. وبقاء أيّ أمة مرهون بقدرتها على الحفاظ على مقوِّماتها من الآداب والأخلاق والتأريخ لذلك. أذكر ما قرأته لبيغوفيتش -رحمه الله- في كتابه الإعلان الإسلامي حيث قال: "إنّ كل قوة في العالم تبدأ في ثبات أخلاقي، وكل هزيمة تبدأ بانهيار أخلاقي"، أليست هذه الحضارة هي نفسها التي أشعلت حربين عالميتين، وصنعت من أسلحة الدمار ما يهدِّد البشرية بالفناء؟! أليست هذه الحضارة تتهاوى في هاوية التحلل الخُلقي والقيمي رغم تقدِّمها العلمي؟!

إنّ الأدب وحسن السمت والخلق مطلب ديني ودنيوي قلّ في الناس الآن من يلتفت إليه، بل إنّ البلايا لم تتوال علينا إلا يوم هجر الناس للأدب والخلق الحسن، وأقبلوا على العلم، ولم يزينوه بحليته الواجبة، فظهرت الأقوال وكثرت الصراعات والاختلافات، فلم نجن للعلم ثمرة، وندر أهل الخلق والفضل. وصدق عبد الله بن المبارك – رحمه الله – عندما قال: "نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم"؛ فلم ولنّ يكن الميزان أبداً بكثرة العلم بقدر ما يقاس بالأدب والخلق. فالأدب هو السبيل الكافي الموصل إلى عين الصواب، "فمن لا أدب له لا تربية له، ومن لا تربية له لا سير له، ومن لا سير له لا وصول له"، وقد قالوا: "من أساء الأدب مع الأحباب طرد إلى الباب، ومن أساء الأدب في الباب طرد إلى سياسة الدواب". فعليك بتمكين الأدب لتحاز مفاتيح القلوب فوالله إنّ الإنسان ليبلغ بخُلقه وأدبه إلى عظيم الدرجات وهو قليل العمل، "فأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا"؛ فإذا انتفى الخلق ذهب الدين.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

التواضع سمة أهل العلم والفهم، أودعها اللهُ في نفوس الأنبياء، وورثَها العقلاء والنبلاء، وأما الخيلاء والكبريَاء ما هما إلا سقام وخيم، دبَّ بين الناس كالنار في الهشم.

الأكثر قراءة