لاعبون من مجد أوروبا إلى ملاعب الخليج العربي

يكتفي البعض أحيانًا بما حققه من شهرة وإنجازات لينتقل إلى مرحلة ما يُسمى بعقد الاعتزال، في انتقال ليس بالغريب من نوعه وإن كان مفاجئًا بعض الشيء، كشف أمس نادي الدحيل متصدر الدوري القطري عن صفقته الجديدة بضم اللاعب الكرواتي ماريو ماندزوكتش من فريق يوفنتوس الإيطالي، ليكون أحد العناصر الداعمة للفريق القطري بداية من يناير المقبل، لينضم الكرواتي إلى زميله السابق بنادي يوفنتوس المدافع المغربي مهدي بن عطية، تلك الصفقات ربما في نظر البعض لا تحمل أي ملامح عقلانية وخارج نطاق الوعي والاستيعاب!

 

بعض النماذج السابقة

ماندزوكتش ليس أول لاعب ينتقل من أوروبا إلى الخليج العربي، فقد سبقه عدة لاعبين مثل تشافي اللاعب الإسباني الذي قضى جل مسيرته الكروية بقميص النادي الكتالوني، وحصل مع منتخب بلاده على أكثر من لقب دولي أبرزهم لقب كأس العالم، انتقل من برشلونة إلى السد القطري، والهولندي شنايدر بعد رحلة اعتزال مرورًا بجلاطاسراي التركي ونيس الفرنسي ثم ختم مسيرته في قطر بنادي الغرافة، والأرجنتيني غابرييل باتيستوتا الهداف التاريخي لمنتخب بلاده قبل أن يجتازه ليونيل ميسي، انتقل ختامًا من روما الإيطالي إلى العربي القطري، وبالظروف المشابهة ينتقل معظم اللاعبون إلى الدوري القطري تحديدًا باعتباره أحد أقوى الدوريات الآسيوية، والأمثلة كثيرة والتفاصيل أكثر، لكن لنكتفي بالأسماء السابق ذكرها، المحفورة أسماءها في عقل كل عاشق للمستديرة.

 

ذلك النوع من اللاعبين كلما تقدم عمره، يرفض أن يصبح مثل الآلة، يرفض اللعب فقط من أجل المال وأن يقبل بالخضوع لدكة الاحتياط لمجرد أن يبقى اسمه وسط نجوم الكرة الأوروبية،
الدافع للرحيل

لنصبح مُنصفين فلنرفع كادر الرؤية قليلًا لننظر للأمر من زاوية أوسع، ولنخض في بعض تفاصيل انتقال المهاجم ماندزوكتش صاحب الـ33 عامًا، ذلك الكرواتي الذي أصبح خارج خطط الفريق الإيطالي منذ تولى ماوريسيو ساري مهمة المدير الفني لفريق السيدة العجوز، حيث يعتمد ساري على بعض الأسماء بعينها، تاركًا ومتجاهلًا ماريو خارج القائمة حتى بدوري أبطال أوروبا لم يضع ساري اسم الأول ضمن قائمة اللاعبين المشاركين بالبطولة أصلًا وكذلك بمسابقة الدوري، بعد أن كان أحد العناصر الأساسية بالنسبة لحسابات مدرب الفريق السابق اليغري، ليصبح الوضع ثقيل على أي نفس بشرية وإن كانت وجهة نظرة المدرب فنية بحتة، لكن لنتفق أنه وضع يصعب تحمله ولا يستطيع أي لاعب البقاء على ذاك الحال طويلًا، خاصًة في منطق من يتعامل بمبدأ إما نجمًا أو لا، إما يسطع بريقي وسط الجموع أو لا، فكل خسارة متجاوزة إلا خسارة نفسك كنجم، ذلك المبدأ المحمود تارة والمذموم تارًة أخرى.

 

معاناة تقدم السن

ذلك النوع من اللاعبين كلما تقدم عمره، يرفض أن يصبح مثل الآلة، يرفض اللعب فقط من أجل المال وأن يقبل بالخضوع لدكة الاحتياط لمجرد أن يبقى اسمه وسط نجوم الكرة الأوروبية، يرفض أن يفقد روح الشغف وعشق اللعبة بداخله، هو لا يريد سوى أن تستمر قدماه بملامسة العشب الأخضر، يرفض أن يبقى تحت رحمة جسده، هدف رائع أو تمريرة جمالية منه قد ترفعه نحو السماء وسط هتافات تتغنى باسمه، وعكسها سينزل به إلى الأرض السابعة وسط همهمات ناقمة على مستواه، نابعة من ذات المدرجات العازفة باسمه منذ لحظات، كعادة الجماهير لا ترضى بأي حل غير معانقة الكرة شباك فريق الخصم، عدا ذلك فأنت لا تليق باللعب في فريقنا.

 

نظرة إنصاف

كل تلك الأسباب تلعب دورًا كبيرًا في ذلك النوع من الانتقالات وقرارات بعض اللاعبين، وإن اختلفت الأسباب في مضمونها عند البعض الآخر، كمثال مهدي بن عطية يُذكر أنه رفض عرضًا من مانشستر يونايتد الإنجليزي قبل انتقاله إلى صفوف نادي الدحيل القطري موضحًا ذلك بقوله "أريد لأطفالي أن يعيشوا في أجواء إسلامية، ويتعلموا الإسلام بشكل صحيح".

 

هم بشر مثلنا، عاش كل منهم حياته منغمسًا في عشق كرة القدم وعاش تفاصيل حياته متغنيًا بنعيمها وبائسًا من قسوتها أحيانًا، يصعب عليهم ترك الملعب وترك الركض خلف الكرة وإلقاء حذاءهم إلى الأبد بتلك السهولة،

فلكل منهم أسبابه التي يمكن أن تكون عقائدية أو نفسية أو مادية بالطبع، نُضيف أيضًا أن لهؤلاء اللاعبين قدرهم ومكانتهم الفنية والمهارية التي لا يختلف عليها اثنان، كمثال فالكرواتي ماندزوكتش لعب لأعرق الفرق الأوروبية قبل يوفنتوس أبرزها بايرن ميونيخ بالدوري الألماني وأتلتيكو مدريد بالدوري الإسباني، وقام بمساعدة منتخب بلاده للمشاركة بنهائي كأس العالم 2018، كذلك المغربي بن عطية لعب سابقًا بصفوف بايرن ميونيخ أيضًا ولعب لفريق العاصمة الإيطالية روما، وساهم كل منهم خلال تلك السنين السابقة بمساعدة فرقهم للتويج بالبطولات المحلية والقارية.

 

عقد الاعتزال

لذلك يرى البعض أن أولئك اللاعبون ما زالوا قادرين على بذل المزيد من الجهد، وأنهم لا زالوا قادرين على إفراغ مخزون رئتيهم بملاعب أوروبا، أو يقول البعض الأخر إن كان اللاعبين يأخذون عدم قدرة تحمل أجسادهم ومبدأ الجسد لا يرحم بعين الاعتبار، فيكفيهم ما قدموا وليعتزلوا بأوروبا ويكتفوا بما حققوا من إنجازات، ولكن عزيزي هم بشر مثلنا، عاش كل منهم حياته منغمسًا في عشق كرة القدم وعاش تفاصيل حياته متغنيًا بنعيمها وبائسًا من قسوتها أحيانًا، يصعب عليهم ترك الملعب وترك الركض خلف الكرة وإلقاء حذاءهم إلى الأبد بتلك السهولة، فمن حقهم التنعم والتلذذ بآخر أوقاتهم على الملعب ومجاراة سكرات اعتزالهم مع من يقبل بهم ويقبلون به، وواجهة الخليج العربي وبلاد شمال آسيا كالصين هي الأنسب لكلا الطرفان بتلك المرحلة، فلنستمتع بما تبقى منهم ولينعموا بكل دقيقة من عقد اعتزالهم ولحظاتهم الأخيرة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة