في الصين.. حضور إسرائيلي وغياب عربي

لطالما تشدق العرب بعلاقاتهم القوية مع التنين الصيني، فإن حدّثت فلسطينياً، سيخبرك بأن الصين أول دولة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية. وإن حدّثت مصرياً، سيقول إن مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين، وسوف يسهب آخرون في الحديث عن تبادلات بلدانهم التجارية واعتبار الصين الشريك الاقتصادي الأكبر والأهم، ولكن ماذا فعل العرب لاستثمار هذه العلاقات الممتدة منذ سبعة قرون، وتوظيفها في خدمة قضاياهم الشائكة والمعقدة؟ الإجابة باختصار: لا شيء، سوى العزف على أطلال طريق الحرير القديم، وأمجاد فتوحات إسلامية وصلت إلى شمال غربي الصين، قبل أكثر من ألف وثلاثمئة عام.

   

هذا التقاعس العربي الذي يمكن اقتفاء أثره في كافة المجالات، سواء على المستوى الدبلوماسي أو المستوى الإعلامي، كان سبباً مباشراً في إحراز إسرائيل تقدم بارز في تطوير وتشبيك علاقاتها مع المارد الصيني، ليس فقط على المستوى الرسمي، بل والشعبي أيضاً، مع الإشارة إلى أن الصين آخر دولة بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن، أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وكان ذلك عام 1992.

  

تحولات جيوسياسية

كان التأثير الأبرز لما يمكن أن يُسمى بالدبلوماسية الشعبية التي تمارسها إسرائيل في الصين، انحياز الرأي العام الصيني للرواية الإسرائيلية إبان الحرب الأخيرة على قطاع غزة عام 2014. ووفق استطلاع رأي، كانت نتيجته صادمة آنذاك، اعتبر 74 في المائة ممن شملهم الاستطلاع عبر منصات التواصل الصينية، أن الفلسطينيين سبب استمرار الصراع، وأن العنف الذي تمارسه إسرائيل ضدهم عنف مبرر. بينما رأى 17في المائة أن الجانبين على قدر المساواة في تحمل المسؤولية. و7 في المائة فقط اعتبروا أن إسرائيل هي المسؤولة عن استمرار الصراع. بالإضافة إلى التقاعس العربي، فإن أسباباً وعوامل أخرى كان لها بالغ التأثير في غياب العرب وتراجع مكانتهم عند الصينيين، منها التحولات الجيوسياسية التي برزت فيها الصين، خلال العقدين الماضيين، لاعباً أساسياً على الساحتين الإقليمية والدولية.

 

تمكنت إسرائيل من نسج علاقات استراتيجية متينة مع الصين، في شتى المجالات، خصوصاً العسكرية والأمنية، بالإضافة إلى التعاون في مجال العلوم والتكنولوجيا
خارج المعادلة

بعد الاعتراف بها قوة صاعدة على المسرح الدولي، لم تعد الصين بحاجة إلى كسب ود الجميع، خصوصاً بعد أن قطعت أشواطاً في عزل تايوان دبلوماسياً، الأمر الذي حتم عليها وضع قواعد جديدة للتعامل مع الدول حسب وزنها وثقلها الدولي، لذلك ظل العرب خارج المعادلة التي تقوم على أساس المصالح الاستراتيجية، وليس التبادلات التجارية التي لدى الصين فيها فائض مع كل الدول، بمن فيها الولايات المتحدة، صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، في المقابل تمكنت إسرائيل من نسج علاقات استراتيجية متينة مع الصين، في شتى المجالات، خصوصاً العسكرية والأمنية، بالإضافة إلى التعاون في مجال العلوم والتكنولوجيا، الذي يعتبر أساس التعاون الثنائي بين البلدين.

 

نظرة واقعية

كيف ينظر الصينيون إلى العرب؟ سؤال أجاب عليه بصورة غير مباشرة، بروفسور صيني من جامعة الشعب، يدعى جين شيان رونغ، في إطار حديثه خلال لقاء تلفزيوني، عن دور الصناعة في نهضة الأمم. يقول جين: "من يمتلك أسس الصناعة الحديثة، يمتلك قراره وسيادته، ومن لم يفعل، لن تنفعه كثرة أمواله وتعداد سكانه". ويعطي مثالاً، الشرق الأوسط: "لدينا 22 دولة عربية بتعداد 450 مليون نسمة تضم دولاً غنية جداً، يغبطها الكثيرون، لكنها تُضرب وتهان من دولة صغيرة، تعداد سكانها لا يتجاوز سبعة مليون نسمة (إسرائيل)، إن ذلك الأمر مدعاة للغزي والعار".

 

ما سبب ذلك؟ يجيب البرفوسور: "يكمن السبب في امتلاك تلك الدولة الصغيرة لمقومات التحول الصناعي الحديث، بينما في المقابل العرب متخلفون، ولهذا السبب يكونون عرضة للضرب والركل". ويخلص إلى أن القدرة على التصنيع تمثل الركيزة الأساسية لنهضة أي دولة عصرية. ويقول: "إننا محظوظون في الصين، لأننا نعتبر من الدول القليلة التي استطاعت أن تنشئ أكبر منظومة صناعية متكاملة على مستوى العالم".

 

في ختام حديثه يقول جين: إن دولة مثل السعودية لا تملك أسس التصنيع، لن تكون قادرة حتى على استخدام مواد صناعية وسيطة تدخل في تصنيع السلاح، لتظل في النهاية أسيرة تصريف الأسلحة الأمريكية. أما الدول القادرة على التصنيع، فإنها تستطيع تسليح جيشها بنفسها، وبالتالي ضمان صناعة قوية، وقدرات تنظيمية وعسكرية أقوى.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة