الكراهية في المناهج التعليمية بين الغرب والعرب

‎في الوقت الذي تطالب فيه الدول الأوروبية‎ بلادنا بتغيير مناهجنا الدراسية لأنها كما يقولون "تُساهم في نشر التطرُّف" لذا فمن من حقنا المشروع أن نسأل بالمقابل: ماذا عن مناهجهم هم؟ هل هي تساعد على تقبل وإنصاف الآخر؟، أم أن للحقيقة كلاماً آخر؟! ‎لا زالت تحيرني تِلكَ النظرات من مجموعة أجانب في مثل عمري، وكنت وقت أن بدأنا الحديث سويًا، الشخص المسلم العربي الوحيد بينهم مع فخري و اعتزازي بذلك.. لا أُبالغ إن قلت إن تلكَ النظرة كانت مريبة بل وليست مُطَمْئِنَة أيضا لأحد منَّا، وأكاد أجزم أنه لا يخلو عربي واجه غربيا إلا راوده ذاك الشعور.. ‎لطالما تساءلت هل من الممكن أن تكون تلك النظرة العامة من الشباب الغربي للشباب العربي هي بفعل الإعلام وحده الذي يصبُّ جام غضبه على العرب والمسلمين مرارًا وتكرارًا أم أن للكراهية خطاباً آخر؟!

‎بينما كنتُ أبحث عن كتاب جديد أقرؤه وقعت عينايَ على عنوان كتاب، لم أستطع أن أمنع يدي من التقاطه أولًا ومن ثم قراءته كاملا وفي جلسة واحدة فقط؛ لهول تلك الإجابات التي وجدتها عن هذا السؤال بطريقة أثارت حفيظتي واستهجاني بشكل كبير كما لم أتوقع من قبل..‎ "صورة العرب والمسلمين في المناهج الدراسية حول العالم" هذا الكتاب أعدَّه مجموعة من الباحثين يعيشون في تلك الدول وهي (أمريكا، بريطانيا، ألمانيا، إسبانيا، روسيا، الهند، كوريا، البرازيل، إسرائيل). ‎وسأقتبس منه عن كل دولة أبشع ما كُتب وما يُدَرَّس لطلبتهم عن العرب والمسلمين، لا لشيء إلا لنعيَ النظرة الغربية وأوجه استهجانها لكل ما هو عربي وإسلامي حتى الآن.

‎في الولايات المتحدة الأمريكية:
واقعيًا وللإنصاف.. ومع اعتبار كل الجهود التي تسعى لتغيير تلك الصورة السلبية في المناهج الغربية، لا يمكننا أن نحاسب غيرنا على ما تحتويه كتبهم من الصور المشوَّهة والخطاب العدائي تجاه كل ما هو عربي ومسلم

‎الصورة النمطية العامة أن العرب جميعًا "راكبو جمال"، "يضعون نشافات على رؤوسهم"، "عبيد الرمال"، "كل العرب مسلمون وكل المسلمين عرب"، وصورة الرجل العربي يُنظر له على أنه "شيخ بترول"، "يريد شراء أمريكا بماله"، "غير متعلمين"، "غير أمناء"، "يكره اليهود والأمريكيين"، "غير عقلاني"، "يخطف النساء والشقراوات الغربية".

‎في فرنسا:

‎حين تتحدث كتب التاريخ للمرحلة الثانوية عن جذور النزاع الإسرائيلي تجد الانحياز في اختيار الألفاظ؛ فالجانب الإسرائيلي "قَبِل، أراد التفاوض، بنى، عمل، دافع عن النفس بالمبادرة بإفشال الهجوم أو بصدِّه، قاوم، رد بالمثل، استرد الأرض أو احتفظ بها أو احتلها، وأخيرًا انتصر على الدوام". ‎أما الجانب العربي، فنجد الأفعال المنسوبة إليه ذات دلالة سلبية مثل "رفض، اعتدى، دمر، امتنع، حال دون، هاجم، انهزم بصفة دائمة، وأخيرا في حرب أكتوبر غسل المهانة"

‎في إسبانيا:

‎تتناول الكتب الدراسية شخصية محمد صلى الله عليه وسلم : "عاش محمد يتيما في جو ديني تتقاسمه الوثنية واليهودية والمسيحية، اشتغل بالرعي ورافق القوافل التجارية، وبذلك اطلع على ثقافات جديدة وأفكار جديدة لم يطلع عليها شباب قبيلته، كما أنه اطلع على اليهودية والمسيحية… كان يحب الانقطاع عن الناس ويصعد الجبل ليؤدي صلواته، وكان متميزًا بعصبيته ونفسيته المريضة وعانى كثيرًا من أزمة الانتماء الديني".

روسيا:

عنوَن الكاتب الصحفي (جلال الماشطة) بحثه بعنوان: "المسلمون يثيرون الشفقة.. يثيرون الرعب" ويقول: يلتقط ألكسندر شوبين مؤلف كتاب "التاريخ المعاصر" للصف التاسع خيط الافتراءات ليقول (ص268) إن الشرق الأوسط "أصبح من أهم مناطق العالم في النصف الثاني من القرن العشرين" ناسخًا بذلك تاريخ المنطقة التي كانت مهد الحضارات والديانات السماوية، جاعلًا من النفط العامل الوحيد الذي يضفي على العرب أهمية، وهو بالمناسبة لا يعير اهتمامًا حتى للحقائق البسيطة، فهو عندما يعدد الدول النفطية يذكر الأردن إلى جانب السعودية والإمارات والكويت وعمان وينسى العراق وليبيا والجزائر وقطر، ولكن يجد "قاسمًا مشتركا" لكل هذه البلدان زاعمًا بأن "غالبية سكانها فلاحون وبدو".

في ألمانيا:

في أحد كتب مادة التربية الدينية المقرر على الصفين السابع والثامن في إحدى الولايات الألمانية كتبَ (فرانكفورت) في استعراضه للإسلام أن "كل مسلم مكلف بمقاتلة أعداء الإسلام، الذين لا ينصاعون للقرآن، تبعًا لمبدأ الجهاد حتى تكون كلمة الله هي العليا، وحتى يمكن تحقيق الهدف السياسي المتمثل في جمع المسلمين العرب في دولة واحدة". فإذا عرفنا أن إجمالي عدد المسلمين في ألمانيا يبلغ أكثر من ثلاثة ملايين مسلم تقريبا فمن البديهي أن نتساءل، هل من المعقول أن يقبل الجار الألماني بمسلم يسكن بجواره وهو يعلم أنه يترصد به ليقتله يومًا ما إذا سنحت له الفرصة!، أم هل ترتضي الجهات الأمنية بوجود مسلمين ينشطون في سبيل هدم أنظمتهم السياسية والعمل على استبدال القرآن بدساتيرهم؟!

في الهند:

ورد في كتاب التاريخ للتعليم المتوسط (ص290): اعتنق الإسلام بعض المنبوذين وأفراد الطبقة السفلى متضائقين من القيود الاجتماعية الشديدة والتمييز الطائفي، وبعضهم بسبب البؤس والفقر، ولم ينتشر الإسلام في الهند لمبادئه القويمة الخلقية، والقيم الإلهية الإنسانية بل خوفًا من "السيف" وقهرًا وظلمًا، وقل ما حدث بأن الهنادك تأثروا بالعلماء الصالحين المسلمين وتقواهم وحسن معاملتهم، وقد كان هؤلاء الربانيون لا يرضون بتربيتهم إلا أن يتركوا ديانتهم ويعتنقون الإسلام.

أخيرًا وفي إسرائيل:

ولأنه من الطبيعي كعادة الصهيونية أن يبرز الحقد على الإسلام، وتزوير التاريخ العربي بما يجعل هذا الكيان الغاصب يُشرعن لنفسه كل تلك الجرائم التي يرتكبها وما زال.. نجد في مقرر الصف السابع الابتدائي من تأليف (ب. أحياه-وم.هرفاز) اعتبار الإسلام دين المحاربين، والزعم بأن اليهود قد أثَّروا في العرب، وأن الإيمان الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إنما كان استلهامًا من اليهود، ووصف الرسول محمد عليه الصلاة والسلام بأنه الغارق في الأحلام، والمقاتل والآمر أتباعه بنشر الدين بقوة السلاح، وفي الكتب صور مفتراة للنبي يشم الورد، ويقبض على السيف، ويزعمون "أنه حاول أن يجتذب اليهود إليه فأمر أتباعه أن يتوجهوا في صلاتهم إلى القدس، وأن يصوموا يوم الغفران، وأن اليهود قابلوا ذلك بالسخرية، وعندما أدرك أنهم بعيدون عنه، غير موقفه تجاههم، وأخذ يقسو عليهم وألغى صوم الغفران وعين صومًا آخر يستمر شهرا ويدعى رمضان، كما غير القبلة من القدس إلى مكة".

وما يُدرَّس للطلبة الإسرائيلين أكثر بشاعة وتحريضا مما ذكرت، لكن المقام لا يتسع لذكر كل شيء. وإجمالاً، هذه الصورة السلبية المنمذجة هي إحدى مصادر الوعي الأوروبي وأدواته اللغوية بامتداداتها الفكرية والثقافية، لكن ماذا نفعل نحن تجاه ذلك؟ بل ماذا عن مصادر وعينا وأدواتنا التعليمية لأجيالنا العربية والمسلمة؟! واقعيًا وللإنصاف.. ومع اعتبار كل الجهود التي تسعى لتغيير تلك الصورة السلبية في المناهج الغربية، لا يمكننا أن نحاسب غيرنا على ما تحتويه كتبهم من الصور المشوَّهة والخطاب العدائي تجاه كل ما هو عربي ومسلم؛ لأن ذلك يتطلب أن نكون بنفس مستوى القوة الذي يفرض على الآخرين احترامًا يجعلهم يصححون ما يفترون وما يزرعون في أجيالهم، لكن علينا بالمقابل أن لا نُسارع في عملية تغيير مناهجنا التعليمية بالشكل الذي يطلبونه كي لا نُخَلِّف أجيالًا لا تعرف عن تاريخها شيئا إلا ما يريد الغرب لهم أن يعرفوه، لتغدو بلا هوية يستطيعون من خلالها إحقاق معروف أو إنكار منكر.. ونحن نواجه تزويراً عالميًا، ليس في التعليم وحسب بل في مجالات كثيرة وطرق عديدة وما هذا التزوير إلا ليستهدف عقيدة ومبادىء أمتنا التي لطالما زخر تاريخها وتألقت ثقافتها بأمجاد زخرفتها القيم النبيلة الفريدة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة