مسلمو الإيغور.. مأساة من درجة الهولوكوست

لقد بلغت معاناة مسلمي الإيغور والذين يرتكزون في منطقة تركستان الشرقية والمعروفة باسم شينجيانغ درجة غير مسبوقة، فحسب وزارة الخارجية الأمريكية من خلال تقريرها المطروح في 4 ديسمبر 2018، أكدت أن أكثر من مليوني مسلم قد مر على مراكز تشبه معسكرات الاعتقال، حيث تتم عملية غسل للدماغ وغسل للهوية القائمة على المبادئ الإسلامية، بداية بالتعليم القسري للأفراد للغة الهان المنديرينية الصينية، ثم تعليم مبادئ الحزب الشيوعي المسيطر على المشهد السياسي في الصين، مع التأكيد للأفراد بضرورة الطاعة والولاء التام للحزب، إن أرادوا مغادرة المعسكر ومواصلة معيشتهم في الصين.

تاريخ الإيغور في تركستان الشرقية

لفهم مسببات هذا الاضطهاد وجب العودة ودراسة تاريخ الإيغور ولماذا يتم معاملتهم بهذا الشكل البشع دون الأقليات الأخرى بمختلف معتقداتها وأصولها. إن الإيغور في أصولهم هم قبائل تركية ظهر لهم أثر في التاريخ لأول مرة في عام 460 للميلاد، بحيث أنهم استوطنوا آسيا الوسطى، وعاشوا كقبيلة واحدة موحدة في حكم اتحادي اسمه الروران إلى غاية سنة 565م، ثم خضعوا للهون البيض، ثم للجوك الأتراك إلى غاية سنة 744م، أين انتفضوا على الجوك وأسسوا مملكة الإيغور والتي تمتد من منشوريا شرقا إلى بحر قزوين غربا.

من خلال مراجعة سقف الحريات المحدود للشعب الصيني، نلاحظ أن كل أفراد الشعب الصيني يعانون من الاضطهاد، ولكن بدرجات وأشكال مختلفة، ولكنها لا ترقى لمعاناة مسلمي الإيغور، والسبب يعود في تواجد حركات تدعو إلى انفصال إقليم تشنجيانغ

المنعرج الحاسم في تاريخ الإيغور والذي فتح عليهم أبواب الجحيم، هو غزو القيرغيز وهم إحدى الأعراق التركية للمملكة الإيغور، وهو ما دفع الأهالي إلى الهروب شرقا ليستقروا في إقليم تركستان الشرقية أو ما يعرف بشينجيانغ، ومنذ ذلك التاريخ والإيغور يتعرضون للمآسي، بداية من غزو جينكيز خان عام 1209م، والذي دفع بجزء من أهالي الإيغور إلى المهاجرة إلى كازاخستان، ثم الاجتياح الصيني لتركستان الشرقية عام 1863م، والتي كانن نتائجها فظيعة بمقتل مليون مسلم، ثم إنهاء استقلالهم على يد ماو تسي تونغ عام 1944م.

وبعد القضاء على استقلالهم وبعد ملاحظة الحزب الشيوعي تمسك الإيغور بهويتهم القائمة على المبادئ الإسلامية، والخطر الذي تمثلته بعدم خضوعهم للايديولوجية الماوية الشيوعية اليسارية، والتي فرضت على الصينيين بكافة أطيافهم، بدأت عملية القضاء على هوية الإيغور، بداية باجبار جزء كبير منهم إلى التنقل والاستيطان في أقاليم أخرى يغلب عليها عرق الهان، والذي يعتبره الحزب أنه العرق السامي السادي، وتم المجيء بملايين المستوطنين من عرق الهان كمحاولة لجعلهم أغلبية في مقاطعة شينجيانغ، وفعلا ففي عام 2015م أصبح الإيغور لا يمثلون سوى 45.84 بالمئة من الإقليم في حين أن الهان يمثلون 40.48 بالمئة.

واليوم وصلت معاناة الإيغور إلى درجة غير مسبوقة من الخطورة، خاصة بعد اقرار العديد من القوانين الاضطهادية ضدهم، بداية من منع ارتداء الحجاب في الأماكن العامة والمواصلات، وحتى احتفالات الزواج، مع فرض غرامة 353 دولار لكل من يخالف هذا القانون، حظر الصوم خلال الشهر الفضيل لكل ايغوري يعمل كموظف في الحكومة، أو حامل لعضوية الحزب الشيوعي، مع منع الأطفال من الصلاة في المساجد، ومنع تسمية المواليد الجدد بأسماء اسلامية، مع منع استيراد كتب تعليم الشعائر الاسلامية، وكل ما له علاقة بالدين أو التاريخ الاسلامي.

لماذا يتعرض مسلمو الإيغور للاضطهاد دون غيرهم من الأقليات؟

من خلال مراجعة سقف الحريات المحدود للشعب الصيني، نلاحظ أن كل أفراد الشعب الصيني يعانون من الاضطهاد، ولكن بدرجات وأشكال مختلفة، ولكنها لا ترقى لمعاناة مسلمي الإيغور، والسبب يعود في تواجد حركات تدعو إلى انفصال إقليم تشنجيانغ عن الصين الشعبية، ظهرت هذه الحركات إلى السطح من خلال مظاهرات نهاية رمضان لعام 2009م، والتي استشهد فيها 99 ايغوريا وقتل فيها 35 شخص من الهان، وما أثار حفيظة الايغور هو تسجيل السلطات الصينية لشهداء الحركة الاحتجاجية بالارهابيين، وإغفال سبب اندلاع الحركة الاحتجاجية الذي كان إقدام عناصر من رجال الشرطة لإطلاق النار على عائلة من خمسة أفراد واغتيالهم بطريقة بشعة، بسبب شجار حدث حول الحجاب.

تواطأ العديد من الدول الإسلامية في هذا الاضطهاد

تراجيديا الإيغور لم تتوقف عند اضطهاد الشيوعيين لهم، ولكن الأدهى والأمر هو تواطأ العديد من الدول الإسلامية ومساعدتها للصين لمواجهة نضال أبناء منطقة تشنجيانغ، سواءا بالصمت وعدم نقل إعلام هذه الدول لمأساتهم، فكل التحقيقات التي تمت حول مسلمي الإيغور كانت من صحفيين أو مراسلين غربيين، كإذاعة راديو آسيا الحرة الأمريكية والمهتمة بحقوق الإنسان في منطقة جنوب شرق آسيا، أو العمل التي قامت به شبكة سي أن أن الأمريكية لنقل معاناة كل من مسلمي الإيغور ومسلمي الراخين في بورما، أو مجلة لوبوس الفرنسية حول القيود والانتهاكات التي يتعرض لها سكان الإقليم.

وحتى على مستوى الهيئات الدولية يوجد غياب تام للدور الإسلامي لحمل وحماية قضيتهم المشروعة، فكل الاحتجاجات التي رفعت إلى الصين سواءا في مجلس الأمن أو في جلسات الأمم المتحدة كان من دول غربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، أخرها الخطوة الشجاعة التي قامت بها الولايات المتحدة لدعوة دولكون عيسى رئيس مؤتمر الإيغور العالمي لإلقاء كلمة على المنتدى الدائم المهتم بقضايا الشعوب الأصلية في الأمم المتحدة، وخلال الجلسة أكدت ممثلة الولايات المتحدة على وجود أكثر من مليون من الإيغور والكازاخيين وغيرهم من الأقليات المسلمة حاليا في معسكرات شبيهة بمعسكرات النازية لليهود خلال الحرب العالمية الثانية، وهم يواجهون التعذيب وخطر الموت فيها.

في وقت تتعاون بعض الدول الإسلامية لكبح نضال نشطاء الحركات الانفصالية للإقليم كباكستان وكازاخستان وقزغيزيا وطاجاكستان في إطار منظمة شنغهاي للتعاون من أجل التنسيق في المعلومات الأمنية، والتي تضم روسيا أيضا، وقد قامت هذه الدول بتسليم العديد من النشطاء الإيغوريين والذين فروا من الاضطهاد لنقل معاناة شعبهم ومطالبه لتدخل المجتمع الدولي لوضع حد لها إلى السلطات الصينية.

كيف يمكن للدول الإسلامية أن تساند مسلمي الإيغور؟

يمكن للدول الإسلامية أن تؤثر على القرار الصيني إذا توفرت الرغبة لدى حكوماتها بذلك، فالصين والتي تعتبر الاقتصاد الأكثر نموا في الفترة الحالية وهو على أعتاب أن يصبح الاقتصاد رقم واحد عالميا، قد يعتبر نقطة قوة للقرار الصيني وتأثيره في العالم، ولكنه قد يعتبر نقطة ضعف ووسيلة ضغط على قرارات الحزب الشيوعي، يمكن استعمالها لتغيير سلوكياته اتجاه الإيغور.

فالدول الإسلامية مجتمعة تمثل 10.03 بالمئة من مبادلات الصين التجارية، بمقدار 280.07 مليار دولار كواردات من الصين، وهو ما يمثل 11.4 بالمئة من صادرات الصين خلال عام 2018، بالإضافة إلى أن 9.4 بالمئة من واردات الصين هي من المحروقات، والتي تأتي في الغالب من الدول الإسلامية، وهي في حاجة لمواصلة استهلاك المحروقات في إطار الحرب الاقتصادية، التي تواجه بها الولايات المتحدة، والذي من المؤكد سوف يؤثر على انتاجية اقتصادها حالة انقطاع تصدير المحروقات، فالصين تستهلك يوميا 13.226 مليون برميل ولا تنتج منه سوى 3.98 مليون برميل، وأغلب ذلك العجز تموله من الدول الإسلامية.

بالإضافة إلى أنها في إطار التعاون في إطار مبادرة حزام واحد طريق واحد، والتي تريد الصين السيطرة بها على الاقتصاد العالمي وخاصة التجارة العالمية، فإن هذه المبادرة تعتمد في أغلبها على دول إسلامية من ماليزيا إلى السودان، يمكن الضغط على القرار الصيني باستعمال عامل الشراكة الاقتصادية لوضع حد لمأساة الإيغور، كل هذا إذا توفرت الارادة والرغبة لدى هذه الدول، والتي أصبحت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غثاء كغثاء السيل، نزع الله المهابة من قلوب أعداءها، وجعل في قلوبها الوهن.



حول هذه القصة

نشر مؤخّرا موقع “ميديوم”، وقائع مروّعة وشهادات مفزعة تتخطّى أفلام الرّعب المفبركة، يتمّ انتزاع أعضاء لبعض المعتقلين الإيغور وهم ما يزالون أحياء ليقع بيعها في السّوق السّوداء.

25/7/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة